ع الوجع

عــاصــفـــة... مـعـروف الـطـيـب

عــاصــفـــة...    مـعـروف الـطـيـب
أقلام وآراء

معروف الطيب

 

الريح تعزف سيمفونية الرجوع.. والرعد في نبراتهم يخترق الدروع.. لا شيء مما نراه يخيفنا.. هاتوا ما عندكم أبالموت يخوِّفنا رعديد جبان؟!. نحن أهل الموت وصفوة أصحابه أَلِفَنا لطولِ ما صاحبناه في كلِّ المراحل: من مذبحة دير ياسين صعوداً إلى ألعاب المذبحة الكبرى في كل القرى إبان النكبة مروراً بكفر قاسم وقبية مروراً بخانيونس ورفح، ثمَّ استراحت المذابح رويداً بعدها استفاقت وباشرت طريقها من جديد فكانت شقيف وصبرا وشاتيلا ثم قانا ثم الشجاعية ورفح من جديد..

 

أصبح الموت ماركة مسجلة باسمنا؛ لذلك خرجنا مع هبوب الريح عند حدود الشمس، نشاركها طلوعها نردع الموت القادم من الشرق ونتلقى الرصاص بالإرادة.. نراقب الرعب المندلق من تحت خوذاتهم وهم يراقبون الأموات يعودون للحياة..

 

هل يا ترى صدقت التوراة بحقنا حينما أخبرتهم ألا يأمنوا جانب الفلسطيني حتى بعد موته بأربعين عاماً؟ شمشون لم يكن يكفيه كومة من الشعر كي يخضعنا، ولا تلة من رصاص وقبة من حديد.. فتية الموت يمضغون الحديد ويدخنون قنابل الغاز وحين تتوقف عن نفث سمومها يلقونها نحوهم صارخين: هاتوا ما تبقى لن يكفيكم هذا.

 

أي سيناريو رعب هذا الذي يصوغ نفسه ويبهر الساسة ويلخبط حسابات الجميع.. أي وعي هذا الذي يتجسد عفوياً.. المفترض أن يزحف الغباء نحو سيناء ليحقق لابن سلمان وابن شلومو صفقة القرن فإذا به يتمنطق بالوعي، ويتمترس خلف حكاية جده وينطلق شرقاً نحو جبال الشمس..

 

 مَنْ علَّمَ الجماهير أن الخروج فرض عين وأن حرق صورة ابن سلمان فرض كفاية، تماماً كما هو حرق علم خرافة (إسرائيل).. سألني أحدهم وأنا على حدود الشمس: ما الذي أتى بك والموت ينتقى رجاله؟!. قلت بكل كبرياء: حذاء أحدهم أشرف من رأسي؛ لذلك انتقاهم، وأنا أنتظرْ، أي مصداقية للقلم إن دعونا الناس لملاقاة الموت ومصافحة الشهادة، ثم نختبئ خلف كثبان الثرثرة، وسوافي المراوغة والتعليل.. كلا، لا أصدق من قلم ينزف حبراً قاني اللون، ويعمِّد حروفه بالدماء..

 

همس لي أحد القادة التاريخيين في أحد الفصائل الفلسطينيَّة وهو يشير من خلف ظهورهم: "هذا الجيل الفدائي الذي لا يعرف الخوف لقلبه سبيلاً يستحقُّ قيادةً أشرف منَّا بكثير".. كنا عند الخيام في استراحة نتحدث وهو مقهور ودمعة حسرة في عينيه. «تصور لو كنا بحجم هذا الشعب، إلى أين يمكن أن يقودنا، أو نقوده، لا فرق؟!»..

 

نجح في ارباكي ولكني فهمت الحسرة في عينيه فقط.. هذا الجيل سبق كل الفصائل في وضح النهار، ومن فوق الأرض لا من تحتها وصل إلى درجة الصفر، لا يفصله عن الوطن سوى رصاصة.. إذن ماذا كان لزوم سبعين سنة من مقاومة لم تحرر شبراً؟!. وما لزوم نيف وعشر سنين من الحفر تحت الأرض للوصول إلى نقاط يمكن الوصول إليها سيراً بالأقدام؟!. ربما أهم درس يجب أن نتعلمه من هذه العاصفة أن نعيد فهم أنفسنا، وفهم حقيقة عدونا ونستكشف جيداً مواطن القوَّة في هذا الجيل، وأن نأخذ منه جيشاً كثيفاً لن يخذلنا.. وعدونا لا يجوز أن نغطيه بهالة من الخرافات والأساطير فهو أهون مما يصور نفسه بكثير. وربما جاء قصف مطار التيفور قبل يومين تحديداً ليعيد غرس الأسطورة عميقاً ، بأنَّ له يداً طولى، وأنَّهُ يستطيع، ولكن من فضل الله علينا أن الجيل المستهدف بهذه الرسالة الواقف على حدود الشمس لا يستقبل هكذا رسائل، وهو جاهز للاقتحام وقتما شاء.. على الفصائل أن تبدأ بمشروع تحرير فلسطين من جديد لأن هذا الجيل الذي اخترق اهتمام العالم بضحكاته عند لقائه مع الرصاص، أعادنا لنقطة الصفر وكأن فلسطين اغتصبت بالأمس, فهلموا!.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق