جميل عبد النبي
نقر مبدئيا بحضور العواطف الوطنية الجياشة لدى الشعب الفلسطيني، وباندفاع كبير في اتجاه التضحية والنضال، وهذا يحسب للشعب الفلسطيني، الذي يثبت دائما أنه لم يمل، ولا يبدو في الأفق أنه سيتراجع عن بذل كل ما يستطيع في سبيل الحصول على حقوقه المسلوبة.
والحقيقة أن أداء الفلسطينيين مدهش في هذا الميدان، ففي كل مرة يقال: أن الناس تعبت من عبء النضال الوطني، تجدها أكثر عطاء من ذي قبل. ثم لا شك أن أي ثورة يخوضها أي شعب اعتدي عليه، لا يمكنها أن تستغني عن العواطف الجياشة، التي تحافظ على استمرارية العمل النضالي لأطول فترة ممكنة، ما يعني أننا لا ندين هذه العواطف، ولا نستغني عنها، إنما نريدها ونحتاج إليها، ولكن في موضعها ومسارها الصحيح، حتى لا تتحول من كونها رافعة لأي عمل نضالي، إلى عبء يمكنه أن بحرف مسار النضال عن وجهته الفعالة.
في معركتنا الحالية التي اتفقنا على سلميتها، نحن نحتاج أكثر إلى ضبط السياقات، حتى نحافظ على سلامة الوجهة التي انطلقنا لأجلها. جوهر الفكرة: يتمثل في اللجوء إلى عمل سلمي نستطيع بواسطته تحييد آلة الحرب الإسرائيلية المجنونة، التي تبحث عن أي مبرر لمضاعفة العنف، في محاولة لكسر إرادتنا كفلسطينيين، وثنينا عن مواصلة مطالبتنا بحقوقنا المشروعة.
من شأن العمل السلمي أن ينزع من يد إسرائيل ذريعة وصفنا لدى الرأي العام العالمي «بالإرهاب»، بينما تبقى هي مجتمعاً حضارياً مسالماً في وسط غابة من الوحوش..! إسرائيل، حتى قبل نشأتها قامت على تزييف الرواية التاريخية، واستخدمت من أجل الوصول إلى غايتها كل وسائل إعلام الدنيا، ما يعني بدون أدنى شك، أنها تهتم بكل ما يمكن تصديره للوعي العالمي، وليس- كما يظن البعض- أنها مجرد دولة مارقة لا تلتفت إلى ما يقوله العالم.
من جهتنا لم نعط هذا الموضوع قدرا كافيا من الاهتمام، رغم أننا الضحية التي كان يجب أن تحافظ على أن تبقى صورتها في العالم كما هي في الحقيقة، ضحية حتى وهي تلجأ إلى وسائل عنيفة، فإنها لا تستخدمها حبا في مبدأ العنف، إنما أضطرها إليه عدوها الذي يصر على عدم الاعتراف بحقوقها، وهي حتى مع العنف أيضا ضحية، لأنها ستعرض نفسها للخطر قبل غيرها، بحثا عن حياة مسلوبة. نحن لم نلتفت بما يكفي لصياغة خطاب يعبر عن الحقيقة، ويستطيع كشف زيف الرواية الإسرائيلية، لأننا- كما قلت- قررنا أن إسرائيل- بعكس الحقيقة- لا تهتم بما يقوله العالم عنها، ثم قررنا أيضا: أن العالم كله ظالم، وسيدعم إسرائيل ظالمة أو مظلومة.
والحقيقة أولا: أن العالم ليس كله على درجة واحدة فيما يتعلق برؤيته لإسرائيل، وهناك دول يمكن الرهان على اصطفافها معنا بشكل أو بآخر. وثانيا: أن الشعوب ليست هي الحكومات، فالشعوب بشر ككل البشر، سيكونون مع الخير فطريا، وضد الشر فطريا أيضا، إن وصلت إليهم الصورة كما هي في الحقيقة، لكن الصورة التي تصل إلى هناك هي في الغالب ما تصدره إسرائيل لهم، عبر إخطبوطها الإعلامي الممتد في العالم، والذي يعمل مستفردا في العالم، في ظل غياب ماكنة إعلامية مضادة، أو على الأقل مشروع إعلامي مضاد، سوى من بعض المحاولات الجانبية الضعيفة، التي لم تستطع بعد أن تواجه الدعاية الإسرائيلية.
ولعلي لا أكون مبالغا لو قلت: إننا في كثير من الأحيان نغذي الرواية الإسرائيلية بما يمكنها أن تستخدمه كوقود لدعايتها الشيطانية، ببعض ما يصدر عنا تعبيرا عن حالة الغليان العاطفي والوطني، الذي ينقصه الكثير من التعقل، بل ولا يعبر أصلا عن واقعنا كشعب أعزل معتدى عليه، من قبل قوة عاتية، لا تتقن إلا لغة القتل، وتزيين القتل..!
فحينما نبالغ في وصف قوتنا التي هي في الحقيقة لا تخرجنا عن كوننا شعبا أعزل فإننا نقدم لإسرائيل مجانا ذريعة استخدام أقصى درجات القوة التي تستخدم في حرب الجيوش..! وحينما نتحدث عن مطلق اليهود، دون التمييز بين اليهود كأتباع دين، وبين الصهيونية المحتلة لأرضنا، فإننا تماما نقدم لإسرائيل وجبة دسمة تصنع منها مادة للتحريض العنصري، الذي يصفنا نحن بالعنصرية، بينما هي دولة لكل مواطنيها، مسلمين ويهود ومسيحيين ودروز..!
الآن: وحتى لا يتم قتل الغرض من أي فعاليات سلمية، تسعى أصلا لأن تظهر الوجه العنفي والعنصري لإسرائيل، كما وتعيد تصويب الصورة المشوهة التي رسمتها "إسرائيل" لشعبنا، فإن علينا أن نزن بميزان حساس كل كلمة أو شعار، أو فعالية، يمكنها أن تفشل الغاية من هذا العمل.
علينا أولا: أن نعيد التأكيد على سلمية هذه الأنشطة في كل فرصة، وأن لا نخلط حديثنا عنها بأي حديث عن وسائل وأساليب أخرى.
علينا ألا نسمح للاندفاع العاطفي، حتى ولو كانت غاياته وطنية أن يقود الميدان، وألا نتيح الفرصة لمبادرات ميدانية غير محسوبة، أن تشوش على سلمية وحضارية هذه الفعاليات. لا كوشوك، ولا إلقاء حجارة، ولا منجانيق، ولا حتى اقتراب من السلك الفاصل في هذه المرحلة، التي نعرف جميعا، أن لحظة عبورنا إلى أرضنا لم تحن بعد، وأنه لا يزال أمامنا الكثير لفعله في كل ساحات اللجوء، بل وفي الساحات العالمية التي نطمح أن نجلب تعاطفها، ووقوفها إلى جانبنا.
إن لحظة العبور الحقيقية، هي تلك التي تأتي فيها الحشود المليونية من كل أماكن اللجوء، يتقدمهم الآلاف من الناشطين الدوليين، ومؤسسات حقوق الإنسان العالمية، وحضور كثيف لوسائل الإعلام، في محاولة لتحييد آلة الحرب الإسرائيلية، والتأكيد على أننا شعب حضاري يبحث عن الحياة، ولكن في أرضه، وليس في أي وطن بديل. طالما أننا الآن لسنا في لحظة العبور، فلا يجوز أن نعرض أرواح شبابنا للخطر.
كل شيء يجب أن يكون محسوبا، في معركة، يحسب فيها عدونا كل حركاته وحركاتنا. نحن بحاجة إلى العقل إذن، ولسنا بحاجة إلى الاندفاع العاطفي، ولا حتى الثوري، إن لم يكن العقل مركز التحكم في كل حركاته.


التعليقات : 0