غزة: عندما يسير الموت والحياة في خطّين متوازيَيْن .. بقلم/ سهير زقوت

غزة: عندما يسير الموت والحياة في خطّين متوازيَيْن .. بقلم/ سهير زقوت
أقلام وآراء

سهير زقوت - المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في غزة

ما زالت نظراتها الزائغة والصدمة في ملامحها تطاردني، هرولَت بين أسرّة الجرحى في غرفة الطوارئ تبحث عن ابنها، أظنّها استقبلت فقط خبر إصابته دون تفاصيل، كان الطاقم الطبي يُحاول التعامل مع إصابته، لكنه استطاع التحدث إليها، سقطت مغشيًا عليها وهي تقول لابنها الثاني الذي اندفع في الاتجاه الآخر من المستشفى: " تعال أخوك بخير" .

 

ولأن الشعب الفلسطيني عاطفيًا بطبعه، يدخل المصاب مع الأصدقاء والأهل، تنتابهم مشاعر القلق والغضب أحيانًا، وهذا يثقل كاهل الطاقم وقد يعرقل عمله، رغم أنهم يبدون تفهمًا كبيرًا ويحاولون طمأنتهم.

 

بدا الجميع متأهبًا، المشفى تقف على قدم وساق، تدخل سيارة الإسعاف؛ فيهرع طاقم غرفة الطوارئ لاستقبال الإصابة القادمة، وأول ما يفعله الطاقم الطبي إذا كان المصاب واعيًا هو طمأنته أن كل شيء سيكون على ما يرام. ويُدرك من يراقب المشهد عن قرب أن فترة علاج طويلة تنظر معظم المصابين، و إن شُفيت جروح البدن فإن الندب التي ستخلّفها هذه الإصابات ستبقى غائرة في النفوس.

 

كانت الجمعة الثالثة، بعد اندلاع الأحداث الجارية على طول السياج الفاصل مع "إسرائيل" في الثلاثين من مارس الماضي، و الذي تواجدنا فيها داخل مستشفيات قطاع غزة؛ لدعم الطواقم وأحيانًا مد يد العون وإن كانت مساعدة بسيطة، ولكن وصولها وقت الحاجة الماسة لها مكّنها من إحداث فرق في حياة الجرحى.

 

اعتادت غزة كغيرها من المدن العربية في منطقتنا على الجمعة، وهو يوم  الإجازة الأسبوعية، أن يكون  يوم  لمّة العائلة، واجتماع الأقارب، يعني لغالبية السُّكان وجبة الغذاء الدّسمة، وأقداح الشاي، والأحاديث  الدافئة، التي قد لا تُتاح طيلة  أيام الأسبوع، تغيّرت الأحوال ليصيح يومًا تمتلئ فيه المستشفيات بالجرحى.

 

"آثرت العودة، و كان يُمكِنُني إكمال حياتي في أوروبا، هنا أستطيع إحداث فرق في حياة الناس، أذكر إحدى الحالات الحرجة التي تعاملت معها، عندما بدأت العمل في الساعة الرابعة عصرًا، لم أشعر كيف مَرَّ الوقت إلى أن انتهينا في الثالثة فجرًا، تشعر أثناء العمل أن المشرط وخيوط الجراحة التي لا يتوفر معظمها في المستشفيات كأنها تنسج رابطًا قويًا مع المصاب، هل هي صداقة ؟،  قرابة ؟ لا أعرف. ما أعرفه أنّني كنت أُسابق الزمن، وأُكافح  لإنقاذ حياته بما تَوفر بين يَديّ". 

 

لم يختلف حديث هذا الجَرّاح عن غيره من أقرانه الذين بدا التّعب والإرهاق جليًّا عليهم. تُعاني المستشفيات نقصًا في المعدات والمستهلكات الطبية والأدوية، تضطّر العائلات لشراء الأدوية من الصيدليات الخاصّة، هذا إن توفر المال الكافي لديهم.

 

لم تأتِ هذه الأحداث في ظل حالة من الرّخاء، فغزة  ترزح تحت وطأة أوضاع إنسانية غير مسبوقة، بدأت بنظام صارم من القيود المفروضة على حركة البضائع والأفراد وانتهت بالخلافات الفلسطينية الداخلية. سنوات نَتج عنها معدّلات بطالة، ومعدّلات فقر، تَطال أكثر من نصف السكان. ناهيك عن أزمتيّ المياه والكهرباء، اللّتان تضربان كافّة مناحي الحياة.

 

ولأن الغَزيِّين يُحبون الحياة ما استطاعوا إليها سبيلاً؛ ينتظر شاطئ غزة روّاده مساء كل يوم جمعة، يلهو الصغار على الشاطئ في أيام ربيعية، أو يلعبون بدراجاتهم على الكورنيش. هنا تبدو الحياة طبيعية، بائع الذرة المشوية لا يبرح مكانه أملاً في قدوم الزبائن، وصاحب كشك القهوة والشاي أيضًا يستعد لمساء يعادل دخله ما يمكن أن يحصل عليه باقي الأيام. وسيارات حفلات الزفاف تجوب الشوارع؛ فتضفي فرحًا على المدينة.

 

تُكافح المُدُن المُوغلة في القدم وحيدة، هنا غزة المنسية، هنا غزة، حيث الموت والحياة يمشيان في خَطَّيْن مُتوازِيَيْن.

التعليقات : 0

إضافة تعليق