بقلم /راغدة عسيران
في لقائه الأخير على قناة "الغد"، بعث الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، القائد زياد النخالة، رسائل عدة الى الاحتلال الصهيوني من جهة والى قيادة السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية من جهة أخرى، والى الفصائل الفلسطينية والشعب الفلسطيني عموما، وذلك بصراحته المعهودة وشجاعته الدالة على رؤية واضحة للصراع وخيار محسوم بالسير قدما في طريق المقاومة حتى تحرير كل فلسطين.
الرسالة الموجهة الى العدو الصهيوني مختصرة بأن حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين تسعى الى توحيد ساحات المواجهة معه (الساحات الفلسطينية كافة)، كخطة استراتيجية لمنع تجزئتها "ورسالة وحدة الساحات أن الشعب الفلسطيني موحّد في كل أماكن تواجده"، والاستفراد بساحة أو بحركة مقاومة، وتوحيد الجبهات، وأن "كل من يقاتل "إسرائيل" نحن معه"، خلال الحديث عن إمكانية الحرب بين "إسرائيل" والجمهورية الإسلامية في ايران، وعن علاقة المقاومة الفلسطينية مع حزب الله في لبنان.
الرسالة الموجهة الى السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية تقول إن حركته تفهم جيدا لماذا تتم اعتقالات المجاهدين والمناضلين، ولماذا "تمارس نفس السلوك الذي تمارسه قوات الاحتلال" لأن "هناك برنامج لإنهاء إرادة الشعب الفلسطيني"، فتظن السلطة أنها تمارس السيادة على أرض الضفة الغربية في حين نشر العدو 600 حاجزا عسكريا يمنع تحرك المواطنين ويقتل ويقتحم ويسرق ويهدم ويعتقل دون أي تدخل من أجهزتها الأمنية. فـ"تحاول السلطة أن تقول للإسرائيليين أنها تحكم". رغم ذلك، "ليس لدينا برنامج صدام (مع هذه الأجهزة) بل برنامج مقاومة (ضد الاحتلال)".
الرسالة الموجهة الى الشعب الفلسطيني وفصائله المقاومة والى المجاهدين، وهي التي أزعجت بعض الأقلام الشاذة التي ظنّت أنها تدافع عن حركة حماس، تقول أن حركة الجهاد الإسلامي لن تلبي دعوة محمود عباس الى لقاء الأمناء العامين في القاهرة لأنها حريصة على أبنائها المجاهدين المعتقلين لدى سلطة رام الله وأنها تطالب بإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين في سجون السلطة، "لأن الاعتقال السياسي يخدم الاحتلال" ولأن هذا اللقاء سيكون "فاشلا" كونه "لا يحمل عوامل إيجابية للنجاح و " لم يتم التحضير له ولم توضع له أجندة عمل".
وتضيف هذه الرسالة أن "المشهد الفلسطيني المقاوم في الضفة يعكس إرادة وقوة الشعب الفلسطيني والمقاومة، وعلى وجه التحديد حركة الجهاد الإسلامي، وهناك انطباع إيجابي لدى الشعب الفلسطيني بعد تصدي المقاومة في الضفة لجيش الاحتلال". وأن "الشعب الفلسطيني لديه قناعة بأنه لا جدوى من المفاوضات (تجاوزنا المفاوضات) ومن التعاون مع الاحتلال، ويؤمن بالمقاومة، ولم تعد تنطلي عليه البروبغاندا حول المشروع السياسي في ظل وجود الاحتلال، ولا أبالغ بقوة المقاومة في الميدان لكن أستطيع أن أرى مشهد إرادة الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال".
حرص القائد النخالة أن تكون كلماته دقيقة وأن يوضّح المشهد الفلسطيني بقدر الإمكان لأنه "معقّد" و"حساس"، ولاحظ مراقبون كم كان حريصا على عدم إثارة "الحساسيات" بسبب هذا التعقيد. لقد تحدّث عن المقاومة الصاعدة في الضفة الغربية ودور حركته المجاهدة فيها ووحدة الميدان التي هي أكثر تطورا من "الغرفة المشتركة" في قطاع غزة، لأن المجاهدين يتقاسمون السلاح والطعام في حين أن "الغرفة المشتركة هي تنسيق بين قوى المقاومة في غزة وتشمل لقاءات بين الفترة والأخرى".
وعن المعارك الأخيرة التي خاضتها "وحيدة" من قطاع غزة، "لأن "إسرائيل" قالت إنها تخوض معركة مع الجهاد الإسلامي، إسنادنا كان معنويا خلال المعركة الأخيرة في غزة والجهاد الإسلامي خاضتها وحيدة، خضنا المعركة لوحدنا ودفعنا ثمنا كبيرا من دماء قادتنا."
وضّح القائد النخالة موقف حركته من الوحدة الوطنية وكيف تتعامل مع الفصائل والقوى الأخرى في الساحة الفلسطينية لبناء جبهة عريضة تضم الجميع لمواجهة الاحتلال، كون فلسطين والشعب الفلسطيني ما زالا تحت الاحتلال. قال "نحن اعتمدنا فكرة الوحدة في الميدان.. وحدة الميدان في الضفة الغربية تتجاوز الخلاف السياسي، وتفرض على صانع القرار السياسي هذا المشهد الوحدوي الذي هو نموذج للوحدة".
بالنسبة للفصائل والشخصيات الفلسطينية، لا تستثني حركته اللقاء مع أي منها، وخاصة إن كانت وطنية ولها تاريخ عريق في النضال الفلسطيني (القائد سمير المشهراوي مثلا).
من جهة أخرى، وضّح العلاقة مع حركة حماس قائلا "نحن في جبهة واحدة مع حماس يجمعنا الإسلام والجهاد وفلسطين"، لكن هناك "تباين بالرؤى واختلافات في التكتيك، لكن نؤكد اننا في جبهة واحدة وننسق .. ربما يكون هناك في بعض المحطات خلافات تكتيكية، تتمحور في القتال وكيف ندير القتال، لدينا رؤية ولديهم رؤية مختلفة في منهجية إدارة الصراع مع العدو، ومنهجية إدارة العلاقات الإقليمية والدولية"، وهذا ما قد يفسّر عدم مشاركة حركة حماس في القتال من قطاع غزة خلال العدوانين على حركة الجهاد الإسلامي في غزة ("وحدة الساحات" و"بأس الأحرار") والاكتفاء بـ"الاسناد المعنوي" في الأخيرة، ولقاء رئيس المكتب السياسي في حماس، القيادي إسماعيل هنية مع محمود عباس والرئيس أردوغان في إسطنبول قبل لقاء القاهرة، ومشاركة حماس وغيرها من الفصائل في لقاء القاهرة، "ربما يبحث الأصدقاء والذين يريدون مشهدا فلسطينيا معيّنا عن تسويات صغيرة يستفيدون منها داخليا خارجيا"، وبحكم سيطرتها على قطاع غزة، التفاهمات مع الاحتلال الصهيوني عبر القيادة المصرية حول التسهيلات الاقتصادية مقابل "التهدئة"، وربما المشاركة في مشروع "غزة مارينا".
هذه الصراحة وهذا الوضوح في وصف المشهد الفلسطيني "المعقّد"، لم تعجب بعض الأصوات الشاذة عن الإجماع الفلسطيني حول المقاومة. فحاولت تشويه كلام القائد النخالة من خلال التركيز على القناة المستضيفة، الناطقة باسم "تيار الإصلاح الديمقراطي"، وعلى العلاقة مع الجمهورية الإسلامية في إيران، كما يفعل العدو الصهيوني وأعوانه الفلسطينيين لعزل حركة الجهاد الإسلامي عن حاضنتها الشعبية، بالادعاء أن الحركة تقاتل "حسب توقيت الحليف الإيراني" وكأن قتال العدو المحتل لفلسطين والسارق للوطن والمهدّد لبقاء الفلسطيني في أرضه يحتاج الى توقيت. تزعجها هذه الحاضنة الشعبية التي توسّعت في فلسطين واللجوء والإقليم بعد المعارك التي خاضتها الحركة "وحيدة" مؤخرا، وبعد انتصار مجاهديها في الضفة الغربية وفي مخيم جنين تحديدا، في حين هي حاضنة تلتف أصلا حول كل مقاومة صادقة لا تناور ولا تساوم وتدافع عن الدم الفلسطيني بكل ما تملك من قوة وإرادة، ولا "تزاحم" من أجل سلطة أو مكسب.
فحاول هذا البعض تشويه صورة القائد الشخصية، لأنه لم يعتد على صراحة المسؤولين والقادة، بالادعاء أن القناة "استدرجته للهجاء على حماس"، وهو المجاهد والسياسي المتمرس الذي يعني ما يقول، وما هي الرسائل التي يجب أن يوصلها. كما حاول هذا البعض، التمييز بينه وبين المرحوم الدكتور رمضان شلح، الأمين العام السابق لحركة الجهاد الإسلامي، في تجاهل واضح لأدبيات الحركة وتصريحات مسؤوليها، منذ انطلاقة الحركة مع المؤسس الشهيد فتحي الشقاقي الى الآن، وفي كل الملفات والموضوعات.
كما أن هذه الأصوات الشاذة سارعت الى المقارنة بين حركتي الجهاد وحماس، والحديث عن "مزاحمة" الأولى للثانية من خلال القتال والمقاومة، دون الملاحظة أنه من الأفضل المزاحمة في القتال والمقاومة بدلا من المزاحمة على الكرسي والسلطة والصوت في ظل الاحتلال. تدعي هذه الأصوات الشاذة أنها تدافع عن حركة حماس، لكنها تسعى من خلال تشويه صورة حركة الجهاد الإسلامي وأمينها العام الى إبعاد حركة حماس عن مشهد المقاومة وإلحاقها بتيار له مفاهيمه الخاصة حول الصراع في المنطقة وعلاقاته الإقليمية والعالمية!


التعليقات : 0