محللان لـ "الاستقلال": الضربات الإيرانية في عمق إسرائيل تعيد تشكيل ميزان الردع في المنطقة

محللان لـ
القدس واللاجئين

 

الاستقلال/ معتز شاهين:

في ظل التصعيد المتواصل في المنطقة، واصلت إيران توجيه ضربات عسكرية استهدفت مواقع داخل عمق الاحتلال الإسرائيلي، في خطوة يصفها مراقبون بأنها تحمل رسائل استراتيجية تتجاوز البعد العسكري المباشر، لتطال معادلات الردع الإقليمي وتوازنات القوى.

ويؤكد مختصون بالشأن السياسي أن هذه الضربات تمثل تحولًا نوعيًا في مسار المواجهة، إذ أظهرت قدرة إيران على الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع صانع الأحداث، وأصبحت قادرة على فرض معادلات جديدة في ميزان الردع وأن تكون جزءًا من القرار والنتيجة في مسار الصراع.

وأكد هؤلاء، في أحاديث منفصلة مع صحيفة "الاستقلال" أمس الأحد، أن قدرة طهران على الرد وامتصاص الضربات يعزز حضورها كلاعب إقليمي مؤثر في معادلة القوة بالشرق الأوسط، ويؤكد أن أي تسوية مستقبلية في المنطقة لن تكون ممكنة دون الأخذ بالدور الإيراني في الحسبان.

وأطلق حرس الثورة الإسلامية في إيران الموجة الثامنة والعشرين من عملية "وعد صادق 4" ردًا على العدوان المشترك الأمريكي والإسرائيلي، مستهدفًا مناطق في بئر السبع و"تل أبيب"، إلى جانب البنى التحتية لقاعدة الأزرق الجوية، التي وصفها بأنها أكبر وأهم قاعدة هجومية لمقاتلات ما سمّاه "العدوان الأميركي".

وأكد الحرس، في بيان، أن الموجة الـ28 من العملية شملت استخدام صواريخ الجيل الجديد متعددة الرؤوس الحربية، موضحًا أن الصواريخ المستخدمة هي "قدر" و"عماد" برؤوس حربية تتراوح أوزانها بين 700 كيلوغرام و1 طن، إلى جانب صاروخ "خيبر شكن".

وحدد الحرس أن صاروخ "خيبر شكن"، الذي يبلغ مداه 1450 كيلومترًا، يتمتع بالقدرة على المناورة حتى لحظة إصابة الهدف، مشيرًا إلى أن هذا الصاروخ سجل أعلى معدل إصابة في الموجات السابقة.

وأشار البيان إلى أنه مع ضعف أنظمة الرادار والدفاع الجوي للعدو الأميركي والإسرائيلي، فإن هذه الصواريخ تصيب أهدافها بسهولة أكبر.

المعادلة الجديدة

وأعتبر الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح الضربات التي نفذتها إيران في عمق الاحتلال الإسرائيلي تمثل تحولًا مهمًا في مسار المواجهة في المنطقة، مؤكداً أنها أظهرت قدرة طهران على الانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل وصناعة الأحداث.

وقال الصباح لـ"الاستقلال" إن الرد الإيراني اتسم بالثبات والدقة والسرعة والانضباط، ما عكس جاهزية القيادة الإيرانية للتعامل مع مختلف السيناريوهات، حتى في أصعب الظروف. وأضاف أن سرعة امتصاص الضربة الأولى واستيعابها، ثم الرد بشكل مباشر ومنظم، أربكت حسابات المعتدين.

وأشار إلى أن استمرار الضربات وتسلسلها المنضبط يدل على أن الجمهورية الإسلامية لم تعد مجرد متلقٍ للهجمات، بل باتت قادرة على فرض معادلات جديدة في ميزان الردع وأن تكون جزءًا من القرار والنتيجة في مسار الصراع.

وفي ما يتعلق بإعلان إسرائيل الدخول في مرحلة ثانية من التصعيد والتلويح بقصف مصافي النفط، اعتبر الصباح أن هذا التوجه يعكس حالة من الارتباك ومحاولة البحث عن أدوات ضغط جديدة بعد فشل المراحل السابقة في تحقيق أهداف واضحة.

وأوضح أن تغيير التسميات والمراحل وتبديل الخطط العسكرية سلوك تلجأ إليه الدول عندما تعجز عن تحقيق نتائج حاسمة في الميدان. ولفت إلى أن التوجه نحو استهداف البنية الاقتصادية أو المنشآت المدنية يعكس ما وصفه بالإفلاس السياسي والعسكري، حيث تبدأ الدولة المعتدية في صناعة أهداف جديدة أصغر حجمًا كي تتمكن من الادعاء بتحقيق إنجاز ما.

وأكد المحلل السياسي أن واشنطن تدرك أن إيران لا تواجه هذه الحرب بمعزل عن محيطها، وأن أي توسع للصراع قد يفتح جبهات متعددة ويؤثر في مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في مناطق مختلفة من العالم. ولذلك فإن استمرار الضربات الإيرانية وقدرتها على فرض معادلة ردع متوازنة قد يدفع في نهاية المطاف نحو البحث عن تسويات سياسية في حال عجزت واشنطن وتل أبيب عن تحقيق أهدافهما عبر التصعيد العسكري.

 

رسائل ردع

الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة ترى أن الضربات العسكرية الإيرانية على العمق الإسرائيلي تأتي ضمن استراتيجية تهدف إلى استنزاف البنية المدنية والموارد الاقتصادية للاحتلال.

وقالت لـ"الاستقلال"، إن هذه الضربات قد تسهم في خلق ضغط متزايد داخل المجتمع الإسرائيلي على حكومة بنيامين نتنياهو، بما يدفع الرأي العام إلى مساءلة القيادة السياسية حول جدوى استمرار المواجهة العسكرية.

وأوضحت أن استهداف العمق الإسرائيلي يحمل دلالات واضحة على قدرة إيران على الرد بالمثل وفرض معادلة جديدة في المواجهة، ما يشير إلى تحول تدريجي في ميزان الردع، خصوصًا بعد أن أظهرت طهران استعدادًا للرد المباشر وعدم الاكتفاء بردود غير مباشرة كما في مراحل سابقة.

وأشارت إلى أن إعلان الاحتلال الدخول في "المرحلة الثانية" من التصعيد على إيران، والتلويح باستهداف مصافي النفط، يعكس مخاوف متزايدة لدى صناع القرار في تل أبيب من اتساع نطاق المواجهة. وأشارت إلى أن مثل هذا التصعيد قد يفتح الباب أمام تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة تمتد آثارها إلى عموم المنطقة.

ولفتت عودة إلى أن المعركة الحالية لا يمكن قراءتها باعتبارها مواجهة ثنائية فقط بين إيران وإسرائيل، إذ أصبحت الولايات المتحدة طرفًا مباشرًا في الصراع، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد العسكري.

ومع ذلك، ترى المحللة السياسية أن الحديث عن نجاح المخطط الأمريكي الإسرائيلي لإحداث تغيير في النظام داخل إيران يبدو غير واقعي، نظرًا لرسوخ بنية النظام السياسي الإيراني وامتلاكه قاعدة مؤسساتية وأمنية متماسكة، ما يجعل سيناريو الانهيار الداخلي أو الانقلاب أمرًا بعيد الاحتمال.

وأضافت أن استمرار قدرة إيران على الرد وامتصاص الضربات يعزز حضورها كلاعب إقليمي مؤثر في معادلة القوة بالشرق الأوسط، ويؤكد أن أي تسوية مستقبلية في المنطقة لن تكون ممكنة دون الأخذ بالدور الإيراني في الحسبان.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، لا تستبعد عودة أن تنتهي المواجهة في نهاية المطاف إلى مسار تفاوضي جديد قد يجمع إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بهدف وضع تفاهمات أمنية تحد من احتمالات الانزلاق إلى حرب أوسع في المنطقة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق