قوة الضعف ، وضعف القوة... حماد صبح

قوة الضعف ، وضعف القوة... حماد صبح
أقلام وآراء

بقلم : حماد صبح

يقولون إن القوة لا تتراجع إلا أمام قوة أكبر منها ، والمقصود هنا القوة المادية التي تتخذ في الحرب صورة التفوق في عدد الجنود ، ووفرة السلاح ونوعيته ، وجودة التدريب ، وخبرة القيادة ومهارتها ، وسوى ذلك من صور القوة إلا أن تلك العناصر في القوة المادية قد لا تكون دائما وسيلة الانتصار الحاسمة الموثوقة . هناك القضية التي تحارب من أجلها ، وهل هي دفاعية عادلة أم عدوانية ظالمة . هنا تتفرق السبل ، فإذا كانت عدوانية ظالمة ، وواجهها الطرف المظلوم بقوة إيمانه بحقه في الدفاع عن نفسه فإنها قد تتراجع ، وقد تنهزم .

 

وهذا ما حدث في مواجهة الفيتناميين لفرنسا التي كانت تحتل  أرضهم  حين هزموها هزيمة ساحقة مذلة في معركة  ديان بيان فو  في 1954 التي انتهت باستسلام ما تبقى من القوات الفرنسية ، وفعلوا نفس الشيء مع أميركا التي تفوق قوتها قوة فرنسا أضعافا متضاعفة ، فقد استطاع الشمال الشيوعي بقيادة هوشي منه هزيمة 450 ألف جندي أميركي في سبعينات القرن الماضي في قتال دام تسع سنوات حيث بدأ التدخل الأميركي هناك في 1964 بمستشارين لمساعدة حكومة الجنوب المناهضة للشمال الشيوعي ، وأجبر أميركا على الانسحاب من الجنوب الفيتنامي دون أي شرط في 29 مارس 1973، وبالكاد نجحت أميركا في إنقاذ سفيرها وقوات الفيت كونج الفيتنامية تطبق على سايجون عاصمة الجنوب .

 

 لم تكن قوة المحاربين الفيتناميين العسكرية شيئا قياسا إلى قوة أميركا الهائلة . صحيح ساعدت الصين والاتحاد السوفيتي الفيتناميين بالسلاح والخبرة والتدريب إلا أن الذين حاربوا هم الفيتناميون ، وتغلبوا على بعض مميزات القوة الأميركية العسكرية . كانت القاذفات الأميركية مزودة بأجهزة استشعار ترشدها إلى المحاربين الفيتناميين اعتمادا على رائحة البول البشري ، فابتدع الفيتناميون وسيلة بسيطة ضللت القاذفات الأميركية : علقوا في أشجار الغابات الخالية منهم أكياسا صغيرة تحوي بولا ، فصارت تلك القاذفات تهاجم تلك الغابات .

 

 وقد ابتلي الفلسطينيون بعدو تتعدد مصادر قوته ، بعضها ذاتي ، وبعضها أميركي وأوروبي غربي ، وبعضها ، للعار الكبير ، عربي . وعلى مدى سبعين عاما قاتل الفلسطينيون هذا العدو، إسرائيل ، في مختلف الميادين ، وبمختلف الأساليب ، وأعظم ما حققوه في هذا القتال هو بقاؤهم البشري في الضفة وغزة والداخل الفلسطيني حتى صار عددهم الآن في المناطق الثلاث يفوق عدد اليهود باعتراف الإسرائيليين أنفسهم .

 

 وتجسد مسيرة العودة التي تخطت جمعتها الرابعة ساحة جديدة من مقاتلتهم لإسرائيل ، ويواجهون في هذه الساحة مثلث قوتها الذاتي والغربي والعربي بأساليب سلمية أرعبتها ، وأقلقت بال أنصارها غربيين وعربا . المشاركون في المسيرة أعنف ما يفعلونه قطع الأسلاك الشائكة في بعض مناطق تواجدهم الخمس ، وحرق بعض مزارع القمح اليابسة بمواد اشتعال محمولة على طائرات ورقية ، وصفها الإعلام العبري ب « سلاح الجو الفلسطيني « ، وفي الجمعة الرابعة أخلى الجيش الإسرائيلي موقعا له قرب كيبوتس علوميم الذي وصل إليه بعض نشطاء المسيرة ، وللإخلاء قيمة رمزية كبيرة . ومع ما قتلت إسرائيل وأصابت من النشطاء فإنها لا تتجرأ على اقتراف مذبحة ضدهم تحت عيون العالم ، وانعدام تجرئها يوضح أن للقوة المادية حدودا تقيدها خلافا لإرادة من يملكها ، وهذا هو ضعف القوة ، ويقابله قوة الضعف النابعة من عدالة القضية ، ومن شأن هذه المقابلة أن تقرب الطرفين مما يمكن أن نسميه توازن القوة الذي قد يرحج في النهاية لصالح الشعب الفلسطيني .

 

 والفاجع الصادم أن ما يمنع هذا التوازن وتطوره تاليا إلى حالة الرجحان لصالحنا هو ثقل التعزيز الغربي والعربي لإسرائيل أكثر مما تفعله قوتها الذاتية . وعربيا ، أليس فاجعا صادما أن تجتمع مخابرات إسرائيل مع مخابرات ثلاث جهات عربية قبل بدء مسيرة العودة لوأد فعالياتها ؟! أليس فاجعا وصادما أن تقترح مصر فتح معبر رفح مقابل وقف المسيرة ؟! وأليس قمة الفجيعة والصدمة أن تقطع السلطة الفلسطينية رواتب موظفيها في غزة وقت المسيرة ؟! وإن كنا نعرف أن لقطع الرواتب دواعي أبعد وأخطر من التوقيت الذي حدث فيه .

 

على أن دائرة المسيرة تتسع ، وأضحت تشمل ساحات الوطن الثلاث : غزة ، والضفة التي شهدت في الجمعة الرابعة إحدى عشرة نقطة مواجهة مع الاحتلال ،  والداخل الفلسطيني ، وأهلنا فيه  يسمعون الغزاة العنصريين رعد غضبهم من قرب .

 

 يقول سليمان فحماوي متحدثا باسم « جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين « : « نحن ماضون في تنفيذ حقنا في العودة إلى ديارنا « ، ويؤكد محمد بركة رئيس « لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية « : « إننا _ فلسطينيي الداخل _ حراس الوطن ، حراس العودة ؛ ننتظر عودة اللاجئين إلى وطنهم « ، وما قاله الرجلان كان في مسيرة كبرى إلى بلدة عتليت الفلسطينية المدمرة شمالي حيفا.

 

نحن على حق ، وعدونا على باطل ، ويستحيل أن يهزم الباطل الحق ولو قوي وكثر ، فالباطل ضعيف مع قوته المادية ، والحق قوي بشرعيته وإن أعوزته القوة المادية . 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق