جميل عبد النبي
سأحاول فيما يلي أن أشرح مسألة، سبق ونوهت لها في أكثر من مناسبة، لكني أظن أنها لا تزال بحاجة إلى الكثير من التفسير، والتأصيل.
هناك خطأ فلسطيني تاريخي واستراتيجي، يتعلق برؤيتنا لأثر الرأي العالمي العام، وأهميته، سواء ما يتعلق منه بقضيتنا الفلسطينية، أو أي قضية جوهرية وحساسة، في المنطقة والعالم، كما وفي فهمنا لمدى اهتمام إسرائيل بهذه المسألة.
فنحن باختصار لم نلتفت إلى حجم الرأي العام العالمي، وقدرته على التأثير في مجرى السياسات العامة، وفي التأثير على قضيتنا الفلسطينية على وجه الخصوص، ومن المفيد هنا أن أشير إلى أنني لا أختزل مصطلح الرأي العالمي العام، في مواقف الحكومات والجهات الرسمية، إنما مواقف الشعوب أيضا وتوجهاتهم تجاه القضايا العامة، بل إنني أقدم هنا مواقف الشعوب على الحكومات، خاصة في الدول الديمقراطية التي يعتبر فيها الشعب مرجعية عليا لكل التفاصيل.
ولعله من المفيد أيضا، أن أنوه إلى سبب- أراه مهما وجوهريا- أدى إلى موقفنا السلبي من موضوع الرأي العام العالمي، ورأي الشعوب تحديدا، هذا السبب- كما أراه- له علاقة بطبيعة النظم والثقافة التي ننتمي إليها، والتي تدور فيها الحياة حول شخص القائد أو الزعيم، إلى الحد الذي يمكن فيه اعتبار تاريخنا كله، غير معبر عن حركة شعوبنا، وإنما عن حركة حكامنا، بينما الشعوب دائما، ليسوا سوى عامة، أو دهماء، أو غوغاء..! يجب منعهم من التدخل في التفاصيل المهمة، إن حاولوا التدخل، ناهيك عن المبادرة باستشارتهم أو الالتفات إلى أمزجتهم..!
حتى اللحظة لم يحدث تغير ذو جدوى على طبيعة الثقافة العامة المتعلقة بالعلاقة بين الشعوب والحكام، أو المتنفذين، ولا يزال المتنفذون هم محور الحياة العامة، ولا تزال الشعوب خارج دوائر التأثير، في أي من مجريات الأمور، ما يعني أن فكرة أثر الشعوب على الحكام، وعلى السياسات العامة، غير حاضرة بما يكفي في وعينا، وربما يمكننا أن نضيف شيئا خاصا بحكامنا ومتنفذينا، أنهم ليسوا معنيين بإظهار اهتمامهم بشعوب العالم، بينما يتجاهلون هم شعوبهم..! حيث يفتح هذا أعين شعوبهم، على تجاهلهم لهم، وعدم الاهتمام بحضورهم.
في المحصلة: المشكلة لدينا نحن، في تقديرنا لوزن أمزجة الشعوب، حيث- على ما يبدو- اتخذنا من أنفسنا معيارا للآخرين، بينما الحقيقة ليست كذلك أبدا، فالشعوب، خاصة في الدول الديمقراطية، ذات شأن كبير، وهي- كما وصفها روسو- السيد، الذي يمتلك القرار الأعلى، لكنه يفوض نيابة عنه مجرد موظفين، دون أن يتنازل عن كونه سيدا، ما يجعل الموظفين (الحكام) دائمي الحرص على إرضاء السيد (الشعب).
هذه المعادلة غير معترف بها بعد في واقعنا السياسي، ومن ثم فهي غير ذات شأن في وعينا السياسي، وبالتالي لم نعمل ما يكفي لاستقطاب تعاطف الشعوب، ظنا منا أنهم على دين ملوكهم، لكن الحقيقة، أن ملوكهم على دينهم غالبا، ما يعني أنهم بوابة الوصول إلى المواقف السياسية، وكان من المفترض أن نجعل من هذه المسألة مركزا لخطابنا الخارحي، بمعنى أن نكون معنيين على أن تصل لهم الصورة الحقيقية للمظلمة الفلسطينية، ويمكننا أن نراهن ليس فقط على مجرد تأثيرهم، إنما أيضا على تعاطفهم مع الحقيقة، إن اكتشفوها، فهم بشر، والبشر مجبولون على فطرة حب الخير، وبغض الشر، والحقيقة أن شعوب الدول الديمقراطية المؤثرة في العالم، أظهرت مستوى عالياً من الإنسانية، في الكثير من مظاهر حياتها الداخلية، أو في تعاطفها مع أزمات الشعوب الأخرى.
فمن العبث إذن، أن نتجاهل أهمية جلب تعاطف هذه الشعوب مع قضيتنا العادلة، خاصة وأننا نتحدث عن شعوب» سيدة» وليست مستعبدة، ويمكنها أن تفرض، أو تؤثر، بشكل كبير على سياسات بلدانها.
المطلوب إذن أن نصدر خطابا يحافظ على رسم صورة لحقيقة كوننا الضحية المعتدى عليها، وكوننا شعبا أعزل، يواجه آلة قتل لا ترحم، وأننا نحب الحياة، ونبحث عنها، حتى حينما نلجأ إلى ما يشكل خطرا على حياتنا، فما هذا إلا لأن عدونا اغتصب أحلامنا، لكننا نبحث عن حياة هادئة في بلادنا، ولسنا عدميين نعشق الموت، إنما مشحونون بالأمل، والتفاؤل وحب الحياة.
إن خطابا كهذا كفيل بأن يعري التزييف الصهيوني، الذي يسعى دائما لأن يلصق بنا من الصفات، ما يعرف أن شعوب العالم تبغضها وتعاديها، ويمكنني أن ازعم أن هذا الخطاب- لو قدر له أن يأخذ حقه من الاهتمام- سيجلب تعاطفا، حتى لدى الكثيرين من اليهود الموجودين فيما يسمى بإسرائيل، لأنهم أيضا بشر، ولعل ظروفا ما خدعت بعضهم، فصورتنا كمعتدين، وصورتهم كأصحاب حق مسلوب، سلبه منهم العرب.!
ليست الشعوب وحدها هي التي يمكن أن نراهن عليها، الكثير من حكومات العالم أيضا، حيث ليسوا كلهم على قلب رجل واحد فيما يتعلق بإسرائيل، ولقد بدا واضحا أن كثيرين منهم يمكنه أن يدعم الحقوق الفلسطينية، فيما لو عرفت طريقها إليه.
لقد كان هناك سبب آخر لتجاهلنا للرأي العام العالمي، وهي تلك الوصفة السحرية، التي بت أشك في مصدرها، وهي أن إسرائيل دولة مارقة، لا تلتفت لما يقوله العالم عنها، وبالتالي: فلا قيمة لمحاولة التأثير على الرأي العام العالمي لأن إسرائيل لا تلتفت إليه، ولا تهتم به..! والحقيقة أن إسرائيل من أكثر دول العالم اهتماما بهذه المسألة، فمبرر وجودها ذاته مرتبط بالصورة المزيفة التي تصدرها إسرائيل لنفسها، سواء فيما يتعلق بدعوى الحق التاريخي الكاذبة والمزيفة، أو بكونها دولة سلام وسط محيط من الأشرار..!
كل ما تفعله إسرائيل من خلال وسائل الإعلام العالمية، التي اهتمت بامتلاكها والتأثير عليها تدلل على أن إسرائيل تهتم بكل ما يمكن أن يقوله العالم عنها، وأن أكثر ما يرعبها هو كشف حقيقة توحشها.
بكلمة أخرى: هذا الموضوع يستحق أكثر من ورشة عمل، كما ويستحق أن توضع الخطط والبرامج، لجعله جزءا من أولويات كل المهتمين بالشأن الفلسطيني العام.


التعليقات : 0