المس بصلاحيات العليا.. أزمة دورية أم عنوان للانتخابات؟... إسماعيل مهرة

المس بصلاحيات العليا.. أزمة دورية أم عنوان للانتخابات؟... إسماعيل مهرة
أقلام وآراء

بقلم: إسماعيل مهرة

مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية

يعتبر شهر مايو القادم بالنسبة لحكومة الاحتلال شهرًا مميزًا، بما يحمله من تحديات واحتفالات وصراع داخلي لحسم تعمق سيطرة اليمين مع بدء دورة الكنيست الصيفية، والتي يزدحم جدول أعمالها منذ يومها الأول بالكثير من مشاريع القوانين العنصرية مثل قانون الهوية القومية أو قانون التغلب على المحكمة العليا عبر تقليص صلاحياتها، بالإضافة إلى قانون التجنيد الخاص بالأصوليين.

 

على المستوى الأمني - السياسي، هناك من يطلق على شهر مايو اسم «مايو الرهيب»، وعاموس يدلين اعتبره أحد اهم التهديدات منذ تهديدات مايو 1967، ففي الـ 12 منه سيعلن ترامب عن قراره بشأن الاتفاق النووي الإيراني، وفي الـ 14 منه سيتم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وفي الـ 15 ذكرى يوم النكبة الفلسطينية وذروة تهديدات مسيرات العودة، وفي الـ 16 نقل سفارة غواتيمالا إلى القدس، فضلًا عن المستجدات والتداعيات والمفاجآت كثيرة التوقع قبل وبعد الأحداث الكبرى.

 

في خضم كل ذلك، من المحتمل أن تواجه حكومة نتنياهو أزمة ائتلافية على خلفية عزمها سن ثلاثة قوانين مع اليوم الأول لبداية الدورة الصيفية للكنيست، وجميعها تعتبر ذات طبيعة إشكالية بالنسبة لتركيبة الائتلاف الحكومي الحاكم، لاسيما ما يتعلق بقانون التجنيد الذي تطالب به الأحزاب الدينية، والذي يعتبر سنه وإقراره ملزمًا للائتلاف في الفترة القريبة القادمة بحسب المهلة التي منحتها المحكمة العليا قبل ان تصبح الحكومة ملزمة بفرض إجراءات عقابية بحق المتخلفين عن التجنيد، وهو الأمر الذي هدد قبل خمسة أسابيع بحل الحكومة، ولا يبدو ان الكتل الائتلافية تعتزم ان تتنازل بسهولة لصالح إعفاء الأصوليين ممّا يسمى بالإسهام في تحمل العبء الأمني، لاسيما في وقت يشتمّون جميعًا فيه رائحة الانتخابات القريبة.

 

بيد ان القانون الذي يعتبر على المحك، ويُنظر إليه على أنه المفجر المحتمل الأهم للأزمة الائتلافية هو قانون التغلب على قرارات المحكمة العليا، بمعنى آخر قانون يحصّن قوانين الكنيست ضد انتقادات وقرارات المحكمة العليا، أي تقليص صلاحيات المحكمة العليا التي تعتبر في نظر المعسكر القومي آخر معاقل اليسار، التي تحول دون نجاح اليمين في تمرير برامجه وسياساته، وتفرض عليه قيودًا تحدّ من قدرته على قمع الأقليات وملاحقة هيئاتها ومنظماتها ومؤسساتها ومنابرها.

 

الصراع على صلاحيات المحكمة العليا الإسرائيلية أو السعي لتقليص صلاحياتها وجعلها أقل تدخلًا في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية الإسرائيلية بدأ منذ حكومة أولمرت، ويمثل مصلحة ورغبة لدى الكثير من حيتان المال وأصحاب الاحتكارات، لكنه لدى اليمين العنصري يكتسب طابعًا ودوافع لها علاقة باستكمال حسم اليمين لأجندته واستراتيجياته.

 

إلا ان إلحاحية تقييد صلاحيات المحكمة في هذه المرحلة ترتبط بشكل مباشر بتراجع نتنياهو عن الاتفاق الذي توصل إليه مع مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين، والذي وافقت فيه إسرائيل على استيعاب نصف المهاجرين الأفارقة وتسوية أوضاعهم القانونية. تراجع نتنياهو عن الاتفاق تحت ضغط أطراف من اليمين العنصري، وإصدار المحكمة العليا قرارًا بعدم قانونية اعتقال المهاجرين الأفارقة وعدم جواز ترحيلهم بالإكراه، في ظل المطالبة الكبيرة لأطراف اليمين بالتخلص من المهاجرين الأفارقة؛ جعل الحكومة تصطدم بقيود المحكمة العليا، ممّا جعل من غير الممكن التصدي لمشكلة المهاجرين دون أن يجري أولًا تقييد صلاحيات المحكمة العليا، لتستطيع الحكومة لاحقًا سن قانون يمنحها ما تريد من صلاحيات وإجراءات، حتى لو كانت تتعارض بشكل خطير مع أبسط قواعد حقوق الانسان.

 

إن سن قانون للتغلب على قرار المحكمة المتعلق بالمهاجرين يحظى بموافقة جميع الكتل الائتلافية، ولا يشكل مدخلًا أو مصدرًا لأزمة ائتلافية، لكن نتنياهو ومعه بينت - على الأقل - يرغب باستغلال الأمر لسن قانون جارف وعام يحدّ من صلاحيات المحكمة العليا فيما يتعلق بقدرتها على الاعتراض على قوانين تشرعها الكنيست وتحظى بأغلبية الـ 51% من مجموع أعضاء الكنيست، أي تحظى بأغلبية 61 صوت عضو كنيست، وهذا التوجه هو ما يرفضه كحلون وزير المالية وزعيم حزب «كلنا»، وهو الذي يعتبر نفسه المدافع والحامي والضامن لعدم المساس بمنظومات العدل، وقد اشترط في اتفاقه الائتلافي أن يكون له حق الفيتو فيما يتعلق بسن قوانين لها علاقة بالحريات العامة ومنظومات العدالة.

 

كحلون كان من بين الأصوات اليمينية التي اعترضت على اتفاق نتنياهو مع مفوضية اللاجئين، وقد أعلن أنه مستعد لتأييد سن قانون يتغلب على العليا في موضوع اللاجئين فقط، لكن نتنياهو وشركاءه الآخرين يتمسكون حتى اللحظة بصيغة جارفة ومتطرفة بحسب المتابعين، وثمة من يتهم نتنياهو بأنه يستغل هذه الأزمة للذهاب لانتخابات مبكرة بعد أن فشل قبل أسابيع بفرض الانتخابات على خلفية أزمة قانون التجنيد مع الأحزاب الأصولية.

 

ويسود اعتقاد كبير في الأوساط السياسية الإسرائيلية أنه بغض النظر عن تفجر هذه الأزمة أو احتوائها أو تفجر أزمات أخرى؛ فإن العام الجاري هو عام الانتخابات، وإن موعدها سيكون في الصيف أو الخريف.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق