جميل عبد النبي
من أهم مواصفات أي برنامج سياسي يسعى لأن يكتب له النجاح أن يكون ممكن التطبيق واضح المعالم محدد الخطوات.
إلا أن أهم ما يواجه البرامج السياسية وخاصة هنا في الساحة الفلسطينية، هو قدرتها على الجمع بين الحق والممكن، حيث كثيرا ما يكون الحق مستحيل التحقق في ظل ظروف استثنائية ومعادلات قوة تحكم المنطقة، لا تبدو - على الأقل في المدى القريب - أنها قابلة للتغيير، ما يدفع مخططي البرامج إلى ما يحبون تسميته بالواقعية!
من حيث المبدأ لا اعتراض على مبدأ الواقعية، خاصة فيما يتعلق بالبرامج ذات الأثرالكبير على المواطنين، فمن غير المعقول مثلا أن نهدر طاقات كبيرة في برامج عالية الكلفة، وفي نفس الوقت غير قابلة للتحقق، وأيضا لا يمكن التذرع دائما بالواقعية لتمرير سلسلة من التنازلات، دون مقابل، ودون أن نمتلك ضمانات حقيقية لنجاح ما نطرحه من البرامج.
يمكن الادعاء بأن برنامج ال 67 يحقق بالفعل الحد الأدنى للحقوق الوطنية والتاريخية للفلسطينيين، كونه ينص على تحرير الجزء المتبقي من فلسطين التاريخية، غير المعترف دوليا بحق إسرائيل في احتلاله، حتى وإن كان هذا الجزء لا يمثل سوى خمس فلسطين، إلا أن ضمان حق عودة اللاجئين إلى باقي فلسطين سيحقق على الأقل عودتنا إلى أرضنا، ولو كان ذلك تحت حكم إسرائيل، والتي ستتحول آليا إلى دولة ثنائية القومية، سيحظى الفلسطينيون مستقبلا فيها بالأغلبية.
بمعنى: أننا عمليا لم نتحد المجتمع الدولي الذي لن يقبل فكرة إزالة إسرائيل، وفي نفس الوقت لم نتخل عن عودة اللاجئين، حيث تمثل العودة جوهر القضية الفلسطينية!
يمكن لهذا الخيار أن يكون مقبولا فيما لو توفرت ضمانات حقيقية لتحقيقه، بينما من الواضح أن كل المعطيات المحيطة بالقضية الفلسطينية لا تشير أبدا إلى أي إمكانية تضمن تحقيق الجزء الأهم من هذا المشروع المتعلق بعودة اللاجئين، بل إن مبدأ وجود دولتين ( فلسطين وإسرائيل ) سيعني تلقائيا أن العودة المزعومة ستكون فقط لفلسطين المستقبلية، التي ستقام على حدود الرابع من حزيران، حيث لا تجهل إسرائيل خطورة عودة ملايين اللاجئين إلى الأرض المحتلة (48) وهي التي تشير دائما إلى الخطر الديمغرافي الذي يشكلة البقية الباقية للفلسطينيين
الذين لم يهاجروا عام 48 ، ما يعني أن إسرائيل تعتبر هذه المسألة مسألة حياة أو موت بالنسبة لها، ومن الوهم مجرد الظن أن إسرائيل ستفاوضنا على موتها بتحقيق تفوق ديمغرافي عاجل بعودة مزيد من الفلسطينيين إلى الأرض المحتلة عام 48.
حتى يصدقنا السياسيون: عليهم أن يكونوا أكثر وضوحا وشفافية حول هذه القضية بالذات، هل فعلا يطرحونها بجدبة؟ أم أنها مجرد ملحق تجميلي لبرنامج يظنونه أكثر ما يستطيعون تحقيقه؟!
هذا ناهيك عن التغييرات الكبيرة التي أجرتها إسرائيل على الأرض المحتلة عام 67 حيث قضمت مساحات شاسعة من الأرض، وأسكنتها بمئات الآلاف من المستوطنين!!!
وبالعودة إلى القضية الأهم ( عودة اللاجئين ) أين ما يشير إلى ما يمكن أن يضغط على إسرائيل بالقبول بهذا الطرح؟ ندعي أننا أمام شعار لا نصيب له من التحقق إلا إلى الدولة الفلسطينية المستقبلية التي ستقام - إن أقيمت - على حدود 67 على مساحة لا تزيد عن ستة آلاف كيلو متر مربع يقطنها حتى اللحظة أكثر من خمسة ملايين فلسطيني، دون موارد ذاتية كافية لهم، فكيف لها أن تستوعب عددا مشابها سيجعل من الحياة مستحيلة مع قلة الموارد؟
هذا لا يعني أن ندعو الناس إلى خيارات عدمية مجهولة المستقبل، لكننا يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع شعوبنا، التي لا يجوز ان تظل مجرد حقل تجارب لمشاريعنا الأحادية.
أظن أن المطلوب أن يحدث بالفعل حوار جماعي لمناقشة خياراتنا السياسية، وفرص نجاحها وآليات تدعيمها، وأن نكف عن المشاريع الأحادية التي لا تمثل الكل الفلسطيني، وإنما وجهة حزبية منفردة ليس متفقا عليها حتى داخل الحزب الواحد الذي يطرحها.


التعليقات : 0