معروف الطيّب
بلا خجل يصطفون، فالخيانة وجهة نظر ولم تعد تهمة الخيانة لها نفس الصدى، يتوارى صاحبها على وقعها من القوم لعدم انحيازه لفلسطين التي كانت (البوصلة) والقبلة والاتجاه.. لا يحيد عنها إلا جبان ولا يزيغ عنها إلا خائن، بل كان في الماضي مجرد التزام الصمت تجاه فلسطين(عار)، والعرب كانوا يحاولون تخدير ضمائرهم من عذابات عجزها بدفع المال للفدائيين، مساهمة تأتي على استحياء؛ لدعم صمود شعب فلسطين، والتمسح ببركات الثورة الفلسطينية..
في زمن "الربيع العربي" الذي قلب كل المفاهيم، وزوَّر المواقف، واختلط فيه الحابل بالنابل، وارتكست القمم، وانخذلت الأمم، وتشوهت القيم، كل شيء مقدس له معنى لم يعد له معنى، وأي شيء ليس له معنى أصبح يستحق المعنى.. ففلسطين لا شيء بالنسبة لهم، السلام في تصوُّرهم أن تكون (إسرائيل) حاضرة وقوية كشريك وصديق.. إنه زمن السلام!.
يأتي ترامب إلى المنطقة ليدشن حقبة جديدة، حقبة من الآلام للشعوب الفقيرة المسكينة.. حقبة ينتشر الموت في كل جنباتها.. وكأن الواجب الملقى على كواهل السادة أولياء الأمر هو قهر الشعوب، وكسر المقاومة؛ لتحيا "إسرائيل" بأمان، يغطي النزيف كل الزوايا.. ولا قطرة دم واحدة تراق على مذبح فلسطين.. تغييب للذاكرة وقمع للرأي و(شي) للوعي بلا هوادة.
قد يكون الخطاب الذي قرع جماجمنا بقسوة في بلد الحرمين الشريفين، ويدهمنا كقاطرة تسحقنا حتى آخر خلايانا مؤذياً بشكل منقطع النظير، ولكنه كشف بلا مواربة عن المخطط الحقيقي لمرحلة ما بعد الفوضى الخلاقة.. فقد دأبت أمريكا على استعباد ملوك المنطقة من خلال ممارسة فنون المسرح.. فهي المخرج الحقيقي الذي يقوم بتوزيع الأدوار.. هذا زعيم مطلوب منه فقط أن يصون حدود "إسرائيل"، وذاك زعيم مطلوب منه أن يستقطب المقاومة ليلين رأسها بالدراهم، وثالث يلعب دور الوسيط، ورابع زعيم غبي يقوم بمغامرات تصنع تهديدات لزعماء آخرين ضعفاء عجزة يلوذون بأمريكا لطلب الحماية للحفاظ على كراسيهم.. فتملي هي شروطها و(فواتير) هذه الحماية، حيث لابد من وجود فزَّاعة (كالعفريت) الذي ترتعد منه فرائص العرب ويجعل أمريكا (كالمنشار) يطحن ذهاباً وإياباً..
هي نفس قصة البيضة والنجار التي كنا نلعبها ونحن صغار.. النجار والبيضة فنقول» الحبة فوق الشجرة.. والشجرة بدها سلَّم.. والسلم عند النجار.. والنجار بدو بيضة.. والبيضة عند الجاجة.. والجاجة بدها علفه.. والعلفة في الطاحونة.. والطاحونة مسكرة.. فيها مية معكرة..»..
هي إذن الدائرة المغلقة التي لا مفر منها.. السلاح في مخازن شركات السلاح الأمريكي.. والسلاح ليباع يحتاج لحرب، والحرب محتاجة لأغبياء.. والأغبياء في الشرق كثر.. والشرق مليء بالحقد والتناقض.. والتناقض يحتاج لتحريك.. والتحريك محتاج إعلام.. والإعلام يحتاج سحرة ودجالين باعوا ضمائرهم للملوك.. والملوك عندهم دراهم.. والدراهم هي كلمة السر العجيبة فهي تحمي الملوك عندما يدفعون (الجزية) لأمريكا.. والدراهم هي التي تسير ماكنة الاعلام الموجه لتفتيت المفتَّت وسحق المسحوق، على أسس جديدة غير سايكس بيكو.. و(الدراهم) هي التي تجيِّش الشباب العاطل عن العمل في العواصم ليصبحوا وقوداً للحرب العبثية.. وترتاح "إسرائيل" من كل ما من شأنه أن يزعجها.. فهذا الخزان البشري الضخم المحيط بها يبقى خطراً.. ولا أحد يضمن لـ"إسرائيل" أن الغباء العربي سيظل متمترساً في صدور أبناء هذه الأمة.. لا شيء مضمون البتة لذلك يجب التخلص من الخزان البشري، وللتخلص منه يجب أن تكون الحرب التي تقودها أمريكا بنفسها بحيث لا تخرج عن السياق فتستهدف إسرائيل (لا سمح الله)..كما لابد من الاستمرار في خلق التحالفات والمزيد من التحالفات التي تستهدف عدوَّاً وهمياً غير العدو الحقيقي للأمة بالطبع، ويمتص خيرات الشعوب حتى (الشفطة) الأخيرة.. ونشعر بقمة الانتصار. لأن أمريكا معنا.. ومن معه أمريكا فقد (فاز).


التعليقات : 0