معروف الطيب
فزاعة كوريا الشمالية والتهديد النووي لجارتها كوريا الجنوبية كما هو الحال بالنسبة لإيران بالنسبة لجيرانها عربان الخليج المفترض أن يكون أكبر المشاريع الأمريكية الذي يدر الأموال بحيث أصبح بيت المال في هذه الدول حصريَّاً للولايات المتحدة التي وصف رئيسها ترامب دولها بالبقرة الحلوب. وهذه البقرة تدر الحليب باستمرار.
وما على ترامب إلا أن يدلي بتصريح لكي تنهال المليارات وتحلق من الخزائن الخليجية إلى الخزينة الأمريكية، بل أصبح التصريح نفسه مكرراً «سأسحب القوات « مدعاة للهرولة باتجاه البيت الأبيض وتقديم واجبات الطاعة والتوسل والاستجداء، ببقاء القوات وهذا يتطلب رضا أمريكا ورضاها لا يتأتى إلا بجزية مرضية لا تقل عن خمسمائة مليار، وشراء سلاح بخمسمائة أخرى، بشرط أن يكون من السلاح المستهلك الذي عفا عليه الزمن وتجاوزته التطورات وطفحت به المخازن ولا لزوم له، بالإضافة للمساعدة في تركيع بقية العرب؛ ليدفعوا نصيبهم من المساهمات لقاء تمتعهم بالحماية الأمريكية، فلا يكفي ذعر إحدى دول عربان الخليج للحصول على رضوان أمريكا بل مطلوب منها (تذعير) غيرها وتحفيزها على دفع الجزية، وهذا ما فعله الجبير عندما أعلن ترامب :أن بعض الدول بدون حمايتنا ستختفي خلال أسبوع. فقام الجبير مشكوراً بتوضيح الرسالة للقطريين وكأنه يقول: «ترامب كان يقصدكم بالخطاب، فادفعوا حصتكم من الجزية وإلا فإن أمريكا ستترككم للغول الإيراني يبتلعكم، خلال أيام».
يبدو أن الكوري الجنوبي يمتلك من الكرامة ما جعله يرفض أن يذله أحد، وأن يدفع رسوم الإذلال بنفسه، ورأى أن مائة المليار التي يطلبها ترامب بحجة تقديم الحماية له من كوريا الشمالية، ستجر خلفها مئات المليارات، ورأى أنَّ فاتورة الصلح مع كوريا الشمالية لن تكون بهذه التكلفة.. ذهب رئيس كوريا الجنوبية للصين طالباً وساطتها للصلح مع كوريا الشمالية، وكان اللقاء ودشن الصلح في أيام..
هكذا تخلصت كوريا الجنوبية من الذل ودفع الجزية و(عقبال) عربان الخليج. يحتاج العرب فقط أن يوقفوا تعاطي الأفيون لساعات، والتدقيق في مجريات الأمور وأن يسألوا أنفسهم بعض الأسئلة التي بدورها ستوجههم نحو سهول الكرامة، وجبال العزة، ومن هذه الأسئلة الملحة مثلاً كم دولةٍ عربيَّةٍ وقعت تحت الاحتلال أو تعرَّضت للعدوان الإيراني؟، وكم دولة عربية تحت الاحتلال أو تعرضت للعدوان الصهيوني؟. كم عملية اغتيال نفذتها المخابرات الإيرانية في البلدان العربية؟، وكم عملية اغتيال نفذتها (إسرائيل) داخل حدود البلدان العربية للعقول والقيادات عبر تاريخ ممتد منذ نشأة الدولة اللقيطة وحتى اللحظة؟. كم مجزرة ارتكبها الإيرانيون ضد العرب؟، وكم عدد الذين قضوا في تاريخ المجازر منذ دير ياسين وحتى اليوم.. العرب يعرفون أنَّ عدوهم الحقيقي الذي يتهدَّد وجودهم وتاريخهم وواقعهم ومستقبلهم يتمثَّلُ في الصهاينة ولا أحد سواهم، ولكنَّهُ الغباء الذي أخذهم باتجاهِ التحالف معه بدل محاربته، والخنوع له وعبادته لنيل رضوانه بدل تجشم عناء اقتلاعه من جذوره وإلقائه في البحر..
ولكن العربان المنهارين الباذلين كل الوسائل والأموال باتوا يدركون أنَّهم لا يستطيعون تمرير أي من الملفات في المنطقة وكانت نتائج تحركاتهم عكسية فبدل القضاء على الأسد في سوريا زادوه قوَّة واحترافاً في القتال، وبدل الرخاوة في المنطقة جلبوا تحالفات عنيدة صلبة، وبدل بيع فلسطين بالمزاد الرخيص وفق صفقة القرن، أصابوا الفلسطينيين بعناد وجنون العودة، وأصبحت الخيارات محصورة نحو الأمام فلا تراجع ولا استسلام. لو فكَّر العرب لحظة كما فعل الكوريون الجنوبيون لذهبوا لإيران وجلسوا نصف ساعة وضعوا خلالها مع الإيرانيين خطة لتأمين المنطقة وطرد الغزاة وحفظ الكرامة والأموال.


التعليقات : 0