معروف الطيب
هذا المثل كبر معنا منذ طفولتنا وكنا نردده عندما نرى شيئاً نستهجنه، أو نلمح سلوكاً من أحد خارج سياق الذوق والأدب فنطلق عبارة: «الله يعطبو شكيب». ورغم أن وجود اسم مثل «شكيب» يستدعي الفضول إلا أنَّ القليلين منا كانوا يسألون الكبار عن سر المثل .. وحتى لا أزعجكم كثيراً بالإطالة سألت جدتي مرة : من هو شكيب؟!. وقد ألقت المثل علي لأنني أخطأت في جلب حاجة طلبتها فأحضرت غيرها.
أمَّا حكاية شكيب فهو ببساطة جندي تركي كان يجوب القرى الفلسطينية إبان حكم الأتراك لفلسطين وكانت مهمته إطلاق النار على الكلاب المسعورة. وكأننا نقول لمن نستهجن أفعاله لمزاً كيف أن شكيب نسيك ولم يطلق عليك النار..
أما ما الذي ذكَّرني بالمثل هذا الأسبوع فلقد وجدتني أردِّده عندما طالعت بعض صفحات الفيس في بوستات تعبر عن اشمئزاز كاتبيها من الدعوات للتوجه إلى الحدود في مسيرة العودة، وتتباكى على دماء الشهداء التي تذهب هدراً، وتلقى للأسف بيئة خصبةً من اللاطمين والمولولين والندابات، وتنطلق عبارات التسفيه والتعبيث والتهبيء أقصد من يزعمون أن هذه الدماء تذهب عبثاً وهباء. بل وتجرَّأ آخرون على إطلاق حكمهم النهائي: أن هذه الدماء لا تعدو كونها فرق حساب لأجندات حزبية لبعض الجهات.. والخ.
نعم، الله يعطبو شكيب!. لأن الصمت أحياناً نعمة؛ ولأن بعض الناس يصمت دهراً ثمَّ إذا نطق فإنَّهُ ينطق كفراً .. يا سادتي نعذركم على انخذالكم؛ ولم نلاحقكم لنحرق بيوتكم فوق رؤوسكم لعدم خروجكم رغم أنَّ الخروج فرض عين، بل تركتم وحال سبيلكم وكان عليكم أن (تلبدوا في الذرة) لا أن تتواقحوا وتنظِّروا ضد مسيرة العودة وكأنها مجال جدال وإبداء للآراء ولو أنَّ الدماء التي تستمر في الرعف غالية عليكم وترونها محترمة لصمتَّم أمام تألقها واحترمتم اختيارها وانحيازها لموكب الواجب رغم ضعف الإمكان، فلماذا تسفهون شهيداً قرَّرَ أن يزحف بدمه ليسحق السيف؟. اتركوا هذا الدور لأفخاي الذي لم يبقِ آية ولا حديثاً إلا ونقَّبَ عليه وساقه ليجبِّن ويخذِّل.
كان جدير بكم الصمت ورب الكعبة فإن ما أقلَّ ما يمكن أن تتهموا به ظلماً في وهج الدم الصادق هو التصنع والتقعر، فلا كلام في وجه الدم جائز مطلقاً ولا يحتاج دم بهذا الوضوح لفلسفة ولا فتاوى.. إنَّهُ الدم الحقيقي صاحب الثأر، وولي ذاته أمام الحقيقة الناصعة بلا مواربة، خرج ليعلن عن نفسه، ويحزُّ السكين بصدقه، وهو ليس بالهين ولا الرخيص بقدر ما هو عبقري ووعي حدَّ الخرافة.. لا مجال لحسابات التجار حينما ينتفض شعب ويكسر حاجزاً من حواجز العدو وإلا فمتى كانت الكفة المادية تميل لصالحنا؟!. لا في النكبة ولا النكسة ولا اجتياح لبنان ولا الانتفاضات الثلاث ولا في الحروب على غزة، فهل كنا نغامر بدمنا في كل الجولات بلا معنى؟!.
أعيبُ على هذه الأصوات التي تصر أن تفهم الدم فقط في سياق واحد وفق خط يسير للخلف فقط.
أمَّا ما هي فوائد هكذا تحرك فسجلوا يا سادة:ــــ
هذا الدم المصلوب على حدود الشمس هو حرق لتاريخ الأكاذيب وأسطورة الهلوكوست وصفقة القرن..
هذا الدم يا سادة الذي خرج شرقاً أحرق القناع؛ ليظهر الصهيوني أمام الشعوب على حقيقته شارباً للدماء نازياً بكل ما للكلمة من معنى. هذا الدم يقول لحثالات العرب: لن نتجه لسيناء فبوصلتنا شرقية..
هذا الدم يقول لحكماء صهيون: يموت الكبار وتنتقل الذاكرة للصغار الذين يقفون على بوابة أرضهم صارخين نحن من هناك. ارحمونا يا سادة واصمتوا!.


التعليقات : 0