زهير ماجد
إذا أخذنا ما يقوله الشاعر الفلسطيني محمود درويش من ان الفلسطيني يكبر عاما في اليوم في هوى وطنه وهو بعيد عنه منذ عمر النكبة السبعين عاما (70*365)، فتصوروا عدد السنوات الحقيقية التي يعيشها عذابا بعيدا عنه وهو الرقم الموجود في عنوان المقال. وحده الفلسطيني من يغرف من الزمن كل هذه الأرقام التي تمر على نفسه وإحساسه وبعاده .. هو في كل 15 مايو من كل عام طريد في أصقاع الأرض أو محاصر في داخل بلاده لا يعلم متى يقوم الجلاد بطرده من أرضه المستولي عليها. أعظم ما في قصة النكبة تلك، ان الأجيال الفلسطينية الجديدة، أكثر شراسة من الأهل والأجداد في الارتباط بالأرض، وهي أيضا أكرم منها في البذل والعطاء. تصوروا ابن غزة الذي يذهب إلى تخوم مساحة الأرض التي يقطن عليها ليبدأ على حد تعبيره عملية العودة عبر تنشق رائحة كل فلسطين .. في هذه الحالة تسبقه روح الآباء والأجداد لتغذي فيه الصور التي لم يعرفها عن بلاده سوى ان ارثا يحركه، ومن خلاله يتطلع إلى فلسطين كمعشوقة لها شرف الحكم الذي تريده عليه. في 15 من الشهر الحالي يكون عمر النكبة خارج حسابات محمود درويش سبعين سنة .. ما أصعبها من سنوات متكررة والجوع الفلسطيني إلى بلاده يزداد. إذن هي في حسابات الزمن ما قاله الشاعر درويش وأكثر. بل هي في عمر الأجيال إحساس مركب بآلاف السنين يطن في الأجساد ويقوى من جيل إلى آخر.
كم كتاباً يحمل عنوان ” عاشق من فلسطين ” أو ” عاشق فلسطين ” .. قدر لي ان استمع ذات يوم ولأسباب إنتاجية تلفزيونية لبعض المرويات الفلسطينية مما تبقى من كبار السن الفلسطينيين الذين عاشوا تفاصيل النكبة والتي وصفها الشاعر العراقي يومها بأدق الوصف بقوله ” أرأيت قافلة الضياع / أما رأيت النازحين / الحاملين على الكواهل من متاهات السنين / آثام كل الخاطئين”.
كانوا يتحدثون كما لو أنهم لم ينسوا تفصيلا .. المرارة الشديدة تظل ذاكرة مفتوحة لا يمكن نسيانها. جميعهم تقريبا تشابهت رحلة عذابهم .. احد أصدقائي الصحافيين الفلسطينيين اخبرني كيف مشى أهله وهو لم يكن قد تجاوز الخامسة من عمره عشرات الكيلومترات ليصلوا إلى قرية في جنوب لبنان، أقاموا أولا في ساحتها حيث ناموا على التراب بعد ان تطوع أهلها لنجدتهم ببعض الغطاء، وكانت القرية آنذاك ككل القرى اللبنانية الجنوبية نموذجا للفقر المدقع .. بل ان احد قادة المقاومة الفلسطينية اخبرني، ان أهله أثناء هروبهم الطويل تعبوا فحطوا رحالهم في مكان على الحدود مع لبنان قرب بئر ماء .. وفي الصباح افتقدوا أختهم التي كان عمرها في ذاك الوقت اقل من سنيتن، فاكتشفوا أنها رمت نفسها في البئر دون ان تدري .. كما اخبرني ان كثيرات من النسوة حملن مخدات البيت على أساس أنها أولادهن ولم يكتشفن ذلك إلا بعد مسافة طويلة من الجري، ولعل قصة غسان كنفاني” عائد إلى حيفا ” خير دليل على المصاب الفلسطيني، ليس فقط في خسارة وطنه ، بل في الشقاء الذي نتج أيضا.
أوصى الزعيم اليوغوسلافي الراحل تيتو بعض قادة فلسطين بعدم الاعتراف بإسرائيل مهما كانت الأسباب ، لكنهم اعترفوا بها .. وأوصى العرب في احد خطاباته لهم الوصية ذاتها، لكن الأيدي تمتد إليها، كانت تحت الطاولة، لكنها صارت اليوم فوقها وفي العلن وتحت الشمس ودون خجل.


التعليقات : 0