الجذور التاريخية لمحاولات نقل السفارة الأميركية للقدس

الجذور التاريخية لمحاولات نقل السفارة الأميركية للقدس
أقلام وآراء

محمد بن سعيد الفطيسي

لم يكن قرار الرئيس الأميركي ترامب بنقل السفارة الأميركية إلى مدينة القدس العربية الفلسطينية المحتلة في شهر رمضان من العام 2018م بالقرار أو التوجه الأميركي التاريخي الجديد في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي بوجه عام, وفي السلوك التاريخي للسياسة الخارجية الأميركية المتحيزة والداعمة بشكل كامل للمستعمرة الإسرائيلية الكبرى بوجه خاص في مختلف تصرفاتها وسلوكياتها المخالفة للقوانين والأعراف الدولية.

 

بل يمكن القول باختصار. ان الرئيس الأميركي ترامب أنهى بهذا القرار على عقود من المحاولات والمساعي المماثلة للعديد من القيادات والسياسيين الأميركيين الموالين لإسرائيل والتي لم يكتب لها النجاح منذ مطلع العام 1980 تقريبا.

 

والمتتبع لمثل هذه المحاولات والمساعي الصهيو ـ أميركية يجد ان لها جذوراً تاريخية بدأت منذ العام 1953م وتحديدا في 13 يوليو حين ( قامت إسرائيل بنقل وزارة خارجيتها من تل أبيب إلى القدس, الأمر الذي دفع إدارة الرئيس الأميركي ايزنهاور حينها إلى عدم التعامل الرسمي من قبل الدبلوماسيين الأميركيين مع المسؤولين الإسرائيليين كردة فعل رافضة لذلك التصرف الأحادي لاعتباره حينها محاولة إسرائيلية لدعم مطالباتها بان تكون القدس عاصمة لإسرائيل, إلا ان الولايات المتحدة الأميركية وبعد سنة ونصف من المقاطعة تراجعت أمام تصميم إسرائيل, ففي 12 نوفمبر من العام 1954م سمح للسفير الأميركي الجديد إلى إسرائيل ادوارد لوسون بتقديم أوراق اعتماده في القدس منهيا بذلك المقاطعة من الناحية الفعلية.

 

أما بالنسبة لما يتعلق بمحاولات نقل السفارة الأميركية إلى القدس خصوصا. نجد ان جذورها بدأت منذ مطلع عقد الثمانينيات من القرن العشرين تقريبا حينما( ذهب الحزب الديمقراطي الأميركي إلى تأييده لبرنامج إسرائيل السياسي الذي يدعو إلى نقل السفارة الأميركية إلى القدس, حيث اشتمل برنامجه في عام 1984م على القرار التالي: يعترف الحزب الديموقراطي بوضع القدس المقرر كعاصمة لإسرائيل ويؤيده , وينبغي للدلالة على ذلك نقل السفارة الأميركية إلى القدس ) ـ صحيفة النيويورك تايمز الأميركية 18/7/1984م.

 

وفي ( تلك السنة ذاتها – أي 1984- وافقت لجان مجلس النواب الفرعية للعمليات الدولية ولشؤون اوربا والشرق الأوسط على قرار غير ملزم ينص على ان الكونجرس الأميركي يشعر بأنه ينبغي نقل السفارة الأميركية إلى القدس في اقرب تاريخ ممكن ) ـ صحيفة النيويورك تايمز الأميركية , بتاريخ 3/10/1984م.

 

وكذلك فعل مايكل دوكاكس في حملته الانتخابية في العام 1988م, حيث أعلن استعداده لنقل السفارة الأميركية إلى القدس في حال نجاحه في الانتخابات الرئاسية, وكذلك فعل بيل كلينتون في العام 1992م , حين وصف برنامج الحزب الديموقراطي القدس بأنها عاصمة إسرائيل ولكنه لم يذهب إلى حد الحث على نقل السفارة إليها.

 

والملاحظ انه ومنذ العام 1980م أي قبل 38 سنة مع إعلان إسرائيل ما أسمته بالقانون الأساسي والذي ( أعاد تأكيد ضم مدينة القدس واتخاذها عاصمة دائمة لها ودعوتها بعثات مختلف الدول إلى نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس , قامت بعض الدول بالسير وراء هذا القانون, ولكن أغلبية الدول رفضت نقل بعثاتها إلى القدس, مما جعل كلا من مجلس الأمن والجمعية العامة يتدخلان لإصدار قرارات تلوم إسرائيل على هذا الموقف , وتعلن بطلان كافة الإجراءات التي تستهدف تغيير الطابع العمراني لمدينة القدس وتكوينها الديموغرافي وهيكلها المؤسسي ومركزها القانوني , وطلب مجلس الأمن من الدول التي نقلت بعثاتها إلى القدس ان تسحبها , واستجابت أغلبية الدول التي كانت قد نقلت سفاراتها إلى القدس لهذه القرارات وأعادتها مرة ثانية إلى تل أبيب ) ـ (د. جعفر عبد السلام علي ,دراسات في القانون الدولي والشريعة الإسلامية , بيروت / لبنان , ط 1/ 1999م)

 

ولكن الولايات المتحدة الأميركية قد غيرت من موقفها بعد ذلك في عهد الرئيس الأميركي بيل كلينتون واصدر الكونجرس الأميركي قراراً بدعم نقل السفارة الأميركية إلى القدس في نهاية العام 1997م .

 

خلاصة الأمر ان ما قام به الرئيس الأميركي ترامب في العام 2018م ليس إلا امتداداً لعقود طويلة من المحاولات الصهيو ـ أميركية لتغيير الطابع السياسي والقانوني لمدينة القدس الفلسطينية, وليس كما يدعي البعض من الجهلة بالتاريخ بأنه استثناء في تاريخ الدعم والتحيز الأميركي الكامل للسياسة الإسرائيلية تجاه القدس عاصمة فلسطين الأبدية.

التعليقات : 0

إضافة تعليق