جيل بلا عمل: كيف أطفأت الحرب سوق العمل في غزة؟

جيل بلا عمل: كيف أطفأت الحرب سوق العمل في غزة؟
تقارير وحوارات

غزة/ سماح المبحوح:

لم يكن محمد صالح مجرد مهندس مدني يعمل في إحدى شركات المقاولات بمدينة غزة، بل كان جزءًا من دورة إنتاج نابضة بالحياة، يشرف على مشاريع البناء ويرسم ملامح مستقبل عمراني واعد.
اليوم، يقف الرجل أمام أنقاض شركته التي دمّرتها الغارات الإسرائيلية، مستعيدًا مشاهد العمل وضجيج الورش، فيما تفرّق زملاؤه بين شهيد ونازح، لينضم هو إلى طوابير البطالة التي تتسع يومًا بعد يوم.

تأتي هذه الصورة القاتمة بالتزامن مع إحياء العالم يوم العمال العالمي في الأول من مايو/أيار، وهو اليوم الذي يرمز تاريخيًا إلى نضال الطبقة العاملة من أجل الحقوق والعدالة، منذ إضرابات شيكاغو عام 1886.

لكن في غزة، يمر هذا اليوم هذا العام بلا مظاهر احتفاء، في ظل انهيار غير مسبوق لسوق العمل، وتحول آلاف العمال إلى عاطلين عن العمل أو باحثين عن أي فرصة للبقاء.

يقول صالح بأسى" لـ" الاستقلال":"كنت أمتلك شركتي الخاصة وأشرف على مشاريع بنى تحتية، أما اليوم فأبحث عن أي عمل، حتى العمل عن بُعد لم يعد ممكنًا بسبب انقطاع الكهرباء والإنترنت."

ومع تفاقم الظروف، اضطر إلى العمل بنظام اليومية في أحد المحال التجارية، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرته، بعد رحلة طويلة من البحث عن فرصة عمل في سوق شبه مشلول.

أرقام تكشف حجم الكارثة

بمناسبة يوم العمال، كشفت وزارة العمل في غزة عن مؤشرات صادمة تعكس عمق الانهيار الاقتصادي الذي يعيشه القطاع بعد أكثر من عامين ونصف من الحرب.

وبحسب البيانات الرسمية: ارتفعت معدلات البطالة إلى نحو 80%، أي ما يقارب 550 ألف عاطل عن العمل في فلسطين، بينهم نحو 300 ألف في قطاع غزة، انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تجاوزت 84%. ، فيما تراجعت الأنشطة الاقتصادية بنسب تتراوح بين 83% و98%.، في حين انخفضت نسبة المشاركة في القوى العاملة إلى نحو 38%. ، وارتفعت معدلات الفقر إلى أكثر من 93%، مع وصول انعدام الأمن الغذائي الحاد إلى أكثر من 75% من السكان.، كما فقد أكثر من 250 ألف عامل وظائفهم بشكل دائم داخل القطاع.

وفي ظل القيود المفروضة على عمل المؤسسات الإنسانية، بات أكثر من 95% من السكان يعتمدون على المساعدات كمصدر رئيسي للعيش، بما في ذلك شريحة واسعة من العمال الذين فقدوا مصادر دخلهم بالكامل.

وتُقدّر خسائر العمال خلال سنوات الحرب بنحو 9  مليارات دولار، في وقت يتزامن فيه هذا الانهيار مع حصار مستمر منذ عام 2007، ما عمّق الأزمة الاقتصادية والمعيشية لنحو 2.4 مليون نسمة، بينهم حوالي 1.9 مليون نازح يعيشون في ظروف قاسية داخل خيام ومراكز إيواء.

اقتصاد منهار وجيل معطل

من جهته، يؤكد المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن ما يشهده قطاع غزة لا يمكن وصفه بأزمة اقتصادية عابرة، بل هو انهيار بنيوي شامل طال مختلف القطاعات الإنتاجية.

ويقول: أبو قمر لـ" الاستقلال": "الاقتصاد في غزة يعيش حالة شلل شبه كامل، وهي من أسوأ مراحله تاريخيًا، حيث خرجت قطاعات كاملة عن الخدمة، من الزراعة إلى الصناعة والخدمات."

ويوضح أن معدلات البطالة التي كانت تدور حول 45% قبل الحرب، قفزت إلى نحو 80%، وهو ما أدى إلى ظهور جيل كامل بلا عمل، يفتقر إلى أي أفق اقتصادي واضح.

كما يشير إلى أن قطاع العمل عن بُعد، الذي شكّل متنفسًا لآلاف الشباب خلال سنوات الحصار، تضرر بشكل كبير، حيث فقد أكثر من 30 ألف شاب وشابة مصادر دخلهم بسبب انقطاع الكهرباء والإنترنت، إلى جانب النزوح المتكرر والدمار الواسع.

أما القطاع الزراعي، الذي كان يمثل أحد أعمدة الصمود، فقد تراجع بشكل حاد، إذ لا يعمل اليوم سوى بنسبة تقارب 10% فقط، في ظل سيطرة "إسرائيل" على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، تُقدّر بنحو 80% من إجمالي الأراضي المنتجة.

ويضيف" أدت هذه التحولات إلى تغيير جذري في طبيعة الاقتصاد داخل غزة، حيث تراجع الإنتاج بشكل شبه كامل، مقابل تصاعد الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

أوضح أن الغالبية الساحقة من الأسر في قطاع غزة تعتمد على: المساعدات الغذائية، التكايا، تعبئة المياه ، الدعم النقدي المحدود في مشهد يعكس انتقال الاقتصاد من حالة الإنتاج إلى اقتصاد إغاثي هش، يتسم بارتفاع الأسعار، وانخفاض القدرة الشرائية، وغياب فرص العمل.

تحذيرات من مستقبل أكثر قتامة

ويحذر أبو قمر من أن استمرار هذا المسار ينذر بانزلاق طويل الأمد نحو الانهيار الاقتصادي، ما لم يتم التدخل بشكل عاجل لإنعاش سوق العمل.

ويضيف:"نحن أمام خطر حقيقي يتمثل في ترسيخ البطالة كواقع دائم، ما قد يقود إلى تداعيات اجتماعية خطيرة، ويقوّض أي فرص للتعافي في المستقبل."

في يومٍ يحتفي فيه العالم بالعمال وحقوقهم، يقف عمال غزة خارج هذا المشهد، بلا عمل ولا حماية، في ظل واقع اقتصادي منهار، جعل من البحث عن فرصة عمل تحديًا يوميًا.

هنا، لم يعد العمل حقًا مكفولًا، بل امتيازًا نادرًا، فيما يواجه جيل كامل خطر الضياع في ظل غياب الفرص، وتآكل مقومات الحياة، واستمرار حرب لم تترك لهم سوى الانتظار.

التعليقات : 0

إضافة تعليق