غزة/ دعاء الحطاب:
داخل مغسلة صغيرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، يقف الشاب سعيد أبو محيسن مراقبًا عمل الغسالات التي لا تهدأ، في مشهد يعكس محاولة حثيثة لتخفيف عبء ثقيل عن كاهل العائلات التي أنهكتها الحرب، في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية الأساسية.
لم يكن مشروع "السعيد لغسل الملابس" مجرد فكرة تجارية تقليدية، بل جاء استجابةً لحاجة ملحّة فرضها الواقع الإنساني القاسي منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث أدى الانقطاع المتكرر للكهرباء وشحّ المياه إلى تعقيد أبسط تفاصيل الحياة اليومية، ومنها غسل الملابس.
يقول أبو محيسن لـ"الاستقلال" ": لم تكن هناك كهرباء ولا مياه كافية، وحتى أماكن نشر الملابس كانت محدودة… كل شيء توقف، والناس لم تعد تعرف كيف تدبّر أمرها".
بصوت يختلط فيه الإرهاق بالإصرار، يختصر الرجل معاناة آلاف العائلات التي وجدت نفسها عاجزة عن تلبية احتياجاتها الأساسية.
ومع نزوح أعداد كبيرة من السكان إلى الخيام، وتدمير المنازل، أصبح الغسيل عبئًا يوميًا مضاعفًا، في ظل غياب وسائل التشغيل والتخزين، ما دفع أبو محيسن للبحث عن حلول بديلة، فكانت الطاقة الشمسية خيارًا حاسمًا لإطلاق مشروعه.
من مبادرة إنسانية إلى مورد رزق
في البداية، لم يكن الهدف ربحيًا، بل إنسانيًا بحتًا، إذ قُدمت خدمات الغسيل مجانًا لتخفيف معاناة النازحين.
ويضيف: "اشتغلنا لفترة بدون مقابل، فقط لنساعد الناس ونخفف عنهم عبء الغسيل."
لكن مع طول أمد الحرب، وفقدانه لعمله السابق في القطاع الخاص، اضطر أبو محيسن إلى تحويل المشروع إلى مصدر دخل، ولو محدود، للحفاظ على كرامته وتلبية احتياجات أسرته.
اليوم، لا يتجاوز دخله اليومي نحو 50 شيكلًا، وهو مبلغ بالكاد يغطي الحد الأدنى من متطلبات الحياة، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل. ويتقاضى مقابل غسل 3 كيلوغرامات من الملابس نحو 8 شواكل، مع توفير مواد التنظيف.
ورغم بساطة الإمكانيات، تشهد المغسلة إقبالًا ملحوظًا، حيث يتراوح عدد الزبائن يوميًا بين 20 و30، معظمهم من النازحين الذين لا يملكون بدائل حقيقية، ويكتفون بالغسيل مرة أو مرتين أسبوعيًا لتقليل التكاليف.
ويحرص أبو محيسن على الالتزام بمعايير النظافة، خاصة في ظل انتشار الأمراض الجلدية والمعدية داخل المخيمات، حيث يستخدم مواد تعقيم مختلفة، ويخصص غسالة منفصلة لملابس الأطفال، في محاولة للحد من انتقال العدوى.
أما ساعات العمل، فتبقى رهينة توفر مصادر الطاقة البديلة، سواء من خلال الألواح الشمسية أو المولدات، ما يجعل استمرارية العمل تحديًا يوميًا.
ورغم كل الصعوبات، يرى أبو محيسن أن جهده يستحق العناء، قائلاً: التعب يهون عندما أستطيع إعالة أسرتي ومساعدة الناس في الوقت نفسه."
لتتحول المغسلة من مشروع بسيط إلى مساحة إنسانية تلتقي فيها الحاجة بالكرامة، في محاولة لاستعادة جزء من الحياة وسط الركام.
الغسيل اليدوي… إرهاق لا ينتهي
في خيمة صغيرة بمنطقة مواصي خان يونس جنوب القطاع، تجلس المواطنة أم ياسر عدوان (45 عامًا) أمام كومة من الملابس المتراكمة، في صورة تختصر معاناة يومية تعيشها آلاف النساء.
تقول عدوان لـ" الاستقلال" : "الغسيل لم يعد أمرًا بسيطًا كما كان، بل تحول إلى مهمة مرهقة تستنزف طاقتنا بالكامل."
وتوضح أنها، كغيرها من النساء، اضطرت للعودة إلى الغسيل اليدوي منذ بداية الحرب، في ظل انقطاع الكهرباء، ما جعل هذه المهمة تستغرق ساعات طويلة يوميًا، وتستنزف الجهد البدني بشكل كبير.
تضيف"كنا نستخدم الغسالات بسهولة، أما اليوم فنقضي يومًا كاملًا في الغسيل اليدوي… حتى أصبحنا غير قادرين على التحمل."
وتشير إلى أن تكرار هذه العملية يوميًا تسبب لها بآلام مزمنة في الأعصاب والمفاصل، خاصة في الرقبة والكتفين والركبتين، إضافة إلى ضغط على العمود الفقري، في ظل غياب أي وسائل مساعدة.
ويزداد الوضع سوءًا خلال فصل الشتاء، حيث تتضاعف المعاناة بسبب برودة المياه وثقل الملابس، ما يجعل الغسيل مهمة أكثر قسوة.
حل اضطراري بكلفة إضافية
أمام هذا الواقع، لم تجد عدوان خيارًا سوى اللجوء إلى المغاسل المنتشرة حديثًا، رغم كلفتها، لتخفيف العبء الجسدي وتوفير الوقت.
وتقول: "لم نلجأ للمغاسل رفاهية، بل اضطرارًا، لأننا لم نعد قادرين على الاستمرار بهذا الشكل."
وبين إرهاق الغسيل اليدوي وارتفاع كلفة الخدمات، يجد السكان أنفسهم أمام خيارات محدودة، في واقع تحولت فيه أبسط الاحتياجات إلى تحديات يومية.
يعكس انتشار المغاسل الصغيرة في قطاع غزة نموذجًا واضحًا لما يمكن تسميته بـ"اقتصاد الضرورة"، حيث دفعت الحرب السكان إلى ابتكار حلول بديلة لتأمين احتياجاتهم الأساسية، في ظل انهيار الخدمات العامة وغياب مقومات الحياة الطبيعية.
ففي هذا الواقع القاسي، لم يعد الغسيل مجرد مهمة منزلية، بل تحوّل إلى قصة صمود يومي، تختزل حجم المعاناة التي يعيشها السكان، وتكشف في الوقت ذاته عن قدرتهم على التكيّف والابتكار، رغم كل الظروف.


التعليقات : 0