غزة / معتز شاهين:
برزت بشكل لافت في الآونة الأخيرة التصريحات والتسريبات الإسرائيلية التي تتحدث عن إمكانية العودة إلى التصعيد العسكري في قطاع غزة، في خطوة يراها مراقبون جزءاً من سياسة الضغط السياسي والعسكري أكثر من كونها توجهاً نحو تصعيد شامل.
ويشير مختصون بالشأن الإسرائيلي إلى أن (تل أبيب)، رغم تصعيد خطابها، لا تبدو في وارد الذهاب إلى حرب واسعة في ظل حالة التوتر المتصاعد مع كل من إيران ولبنان، وما يفرضه ذلك من قيود على فتح جبهات متعددة في آن واحد.
ويرى هؤلاء، في أحاديثهم مع صحيفة "الاستقلال" يوم الأحد، أن هذا التحرك يأتي في سياق محاولة التأثير على المفاوضات المتعلقة بالمرحلة الثانية من التفاهمات بشأن قطاع غزة، مشيرين إلى أن رفع منسوب التهديد بالعودة إلى العمليات يُستخدم كأداة ضغط تفاوضية أكثر منه خياراً عسكرياً محسومًا.
ويعقد المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) اجتماعه مساء اليوم الاثنين، بعد أن كان من المفترض أن يُعقد يوم أمس الأحد، وذلك لبحث إمكانية استئناف العمليات العسكرية في قطاع غزة.
وتأتي هذه التحركات وسط موجة من التسريبات والتهديدات الصادرة عن مسؤولين عسكريين وسياسيين، تلوّح بالعودة إلى الحرب بزعم عدم التزام حركة حماس ببنود تتعلق بنزع السلاح، وفشل القوة الدولية في أداء مهامها، وذلك رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
وفي هذا السياق، نقلت القناة 15 الإسرائيلية عن مسؤول في هيئة أركان الجيش قوله إن "جولة قتال إضافية في غزة باتت شبه حتمية"، مبرراً ذلك برفض حركة حماس تفكيك ترسانتها العسكرية.
وتتزامن هذه التصريحات مع تحذيرات محللين إسرائيليين من أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو قد يدفع باتجاه استئناف الحرب لتحقيق مكاسب انتخابية مع اقتراب موعد الانتخابات العامة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
أداة ضغط
ويرى المختص بالشأن الإسرائيلي د. إسماعيل مسلماني أن دعوة الكابينت الإسرائيلي لعقد جلسة لبحث مستقبل العمليات في قطاع غزة تعكس في جوهرها رسالة سياسية وأمنية متعددة الاتجاهات، تتجاوز البعد العسكري المباشر نحو استخدام الملف الميداني كورقة ضغط في المفاوضات.
وأوضح د. مسلماني لـ"الاستقلال" أن هذا التحرك يأتي في سياق تعثّر المفاوضات المتعلقة بالمرحلة الثانية من التفاهمات حول قطاع غزة، مشيراً إلى أن الحديث عن استئناف العمليات لا يمكن فصله عن محاولات التأثير على مسار التفاوض عبر رفع منسوب التهديد العسكري.
وأضاف أن جلسة الكابينت لا تعكس بالضرورة قراراً محسوماً بالتصعيد الشامل، بل تندرج ضمن سياسة "إبقاء جميع الخيارات مفتوحة"، حيث يُوظَّف التهديد بالعودة إلى العمليات كأداة ضغط تفاوضية، إلى جانب السعي لإظهار الحزم في الداخل الإسرائيلي في ظل التحديات السياسية التي يواجهها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وفي ما يتعلق بالقدرة العسكرية الإسرائيلية على إدارة أكثر من جبهة، أشار مسلماني إلى أن المؤسسة العسكرية تمتلك قدرات كبيرة، إلا أن الانخراط المتزامن في أكثر من ساحة، خصوصاً غزة وجبهة الشمال، يفرض قيوداً عملياتية واستراتيجية متزايدة، سواء على مستوى الاستنزاف البشري أو الجاهزية الميدانية أو الضغط الاقتصادي.
ولفت إلى أن هذا الواقع يجعل قرار التصعيد الواسع أكثر تعقيداً، في ظل تأثيرات خارجية أيضاً، من بينها الموقف الأمريكي الذي يساهم في ضبط سقف التحركات العسكرية الإسرائيلية.
وتعقيباً على التقارير التي تتحدث عن توجه أميركي لإغلاق مركز كريات غات للتنسيق المدني-العسكري الخاص بغزة، يرى مسلماني أن هذه الخطوة تعكس مؤشرات على إعادة تموضع في الدور الأميركي داخل الملف الغزي، أكثر من كونها إجراءً إدارياً عابراً.
وأردف أن نقل بعض المهام إلى أطر دولية أخرى وتقليص حجم الوجود الأميركي يعززان فرضية أن واشنطن تتجه إلى تخفيف انخراطها المباشر في إدارة تفاصيل المشهد في غزة، في ظل تعقيدات ميدانية وغياب أفق سياسي واضح، بما يعكس تحولاً تدريجياً في مقاربة الإدارة الأميركية للملف.
معادلة الضغط
بدوره اعتبر الكاتب والمختص بالشأن الإسرائيلي د. عمر جعارة أن كل التحركات السياسية والعسكرية التي يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي في الآونة الأخيرة تجاه قطاع غزة تُدار في إطار واضح من "الضغط على مسار المفاوضات"، وليس في سياق قرار محسوم بالذهاب إلى حرب شاملة.
ويؤكد د. جعارة لـ"الاستقلال" أن دعوة الكابينت الإسرائيلي لعقد جلسة لبحث مستقبل العمليات في قطاع غزة تأتي ضمن "إعادة رفع سقف التهديد" في لحظة تفاوضية حرجة، حيث تتعثر المباحثات حول الانتقال إلى المراحل التالية من أي تسوية أو تفاهمات قائمة.
ويشير إلى أن هذه الجلسة لا يمكن فهمها بمعزل عن سياق إدارة المفاوضات الجارية، إذ تُوظَّف كأداة ضغط سياسية واضحة، هدفها التأثير على مسار التفاوض ودفع الطرف الآخر نحو تقديم تنازلات إضافية من خلال التلويح بإمكانية العودة إلى التصعيد العسكري.
ويضيف جعارة أن هذا النمط من إدارة الأزمة أصبح سمة متكررة في السلوك الإسرائيلي خلال المرحلة الحالية، حيث يتم توظيف التصعيد الإعلامي والسياسي والعسكري كجزء من "هندسة الضغط التفاوضي"، وليس بالضرورة كمقدمة لحرب واسعة، بل كوسيلة لتحسين شروط التفاوض ورفع كلفة التعطيل على الطرف الآخر.
وفي هذا السياق، يشير إلى أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يواجه ضغوطاً داخلية معقدة، ما يدفعه إلى استخدام ملف غزة كأداة سياسية داخلية وخارجية في آن واحد، بحيث يتحول التصعيد إلى وسيلة لإدارة الأزمات السياسية أكثر من كونه خياراً عسكرياً بحتاً.
ويرى جعارة أن جوهر التحرك الإسرائيلي الحالي يقوم على معادلة "الضغط مقابل التفاوض"، حيث يتم رفع منسوب التهديد العسكري لإعادة تشكيل بيئة المفاوضات، خصوصاً في ظل تعثر التقدم نحو اتفاقات أكثر استقراراً أو الدخول في مراحل سياسية جديدة.
ومع ذلك، يحذر من أن هذا المسار يبقى محفوفاً بالمخاطر، إذ إن الإفراط في الاعتماد على سياسة "تصعيد الضغط" قد يؤدي في أي لحظة إلى خروج الأمور عن السيطرة، وتحول التهديدات إلى مواجهة فعلية غير محسوبة النتائج.


التعليقات : 0