غزة/ دعاء الحطاب:
أكد المحلل والكاتب السياسي سعيد أبو رحمة أن تشديد الاحتلال القيود على المساعدات والمؤسسات الإنسانية في قطاع غزة لا يمكن فصله عن سياسة "الضغط المتدرج" الذي يستهدف إعادة تشكيل البيئة الإنسانية وربط الاحتياجات المعيشية بالاعتبارات الأمنية والسياسية. ويوضح أبو رحمة لـ "الاستقلال"، أنه بالتزامن بين تقليص المساعدات، وتقييد عمل المؤسسات الدولية، وخفض إمدادات الغاز والوقود، يوحي بأن الأمر يتجاوز كونه مجرد إجراءات إدارية أو أمنية منفصلة، ليصبح أداة ضغط إضافية ضمن مسار الصراع القائم.
وشدد على أن استمرار القيود على تدفق الغذاء والوقود والسلع الأساسية يؤدي عمليًا إلى تراجع الأمن الغذائي وارتفاع مستويات الحرمان بين السكان، موضحاً أن آثار هذه السياسات تصبح "شبيهة بنتائج سياسات التجويع" إذا استمرت لفترات طويلة دون توفير بدائل كافية، بغض النظر عن التوصيف القانوني والسياسي النهائي لها.
وبحسب أبو رحمة، فإن البعد الإنساني في غزة بات متداخلًا بصورة كبيرة مع الأهداف السياسية والعسكرية في الحالة الفلسطينية، إذ تنظر "إسرائيل" – وفق تقديره – إلى التحكم بحركة البضائع والمساعدات باعتباره أداة ضمن منظومة الضغط الشاملة، سواء بهدف التأثير على البيئة الحاضنة لفصائل المقاومة أو تعزيز أوراق التفاوض، أو فرض ترتيبات معينة تتعلق بمستقبل القطاع.
يعتمد مئات آلاف السكان في قطاع غزة على المساعدات الغذائية والمطابخ الإنسانية كمصدر رئيسي للغذاء، خصوصًا مع تراجع فرص العمل وتدمير البنية الاقتصادية.
وأعلنت منظمة "المطبخ المركزي العالمي" تقليص خدماتها ووجباتها الساخنة في غزة إلى مستويات ما قبل اتفاق أكتوبر نظراً لضغوط مالية هائلة، ورغم إعلانها استمرارها في تقديم مئات آلاف الوجبات خلافاً لما كانت تقدمه مليون وجبة يومياً.
دلالات متعددة
ولفت النظر إلى أن تقييد أو منع بعض المؤسسات الدولية من العمل داخل غزة يحمل دلالات متعددة، أبرزها تقليص قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى السكان وتقديم الخدمات الاساسية، مضيفاً:" كما أن هذه المؤسسات لا تؤدي دورًا إغاثيًا فقط، بل تؤدي أيضًا دوراً مهماً في توثيق الانتهاكات ونقل صورة الأوضاع الإنسانية إلى المجتمع الدولي، ما تقليص دورها مؤثرًا على مستويات متعددة".
وحذر أبو رحمة من أن تقليص خدمات الإغاثة والمطابخ الإنسانية ينعكس بصورة مباشرة على الفئات الأكثر ضعفًا، خاصة الأسر النازحة والعاطلين عن العمل والأطفال، في ظل اعتماد آلاف العائلات بشكل شبه كامل على الوجبات المجانية والمساعدات الغذائية كمصدر رئيسي للبقاء.
ويضيف أن أي تراجع إضافي في هذه الخدمات سيؤدي إلى زيادة معدلات الجوع وسوء التغذية، وارتفاع الضغط على المؤسسات الإغاثية التي تعاني أصلًا من محدودية الموارد وصعوبة إدخال المواد الأساسية.
تداعيات خطيرة
ونبه إلى أن الغذاء والغاز والوقود لا تمثل مجرد مواد استهلاكية، بل تشكل أساس تشغيل المخابز والمطابخ الإنسانية والمستشفيات وشبكات المياه والنقل، الأمر الذي يجعل أي تقييد لها ينعكس على مختلف تفاصيل الحياة اليومية داخل القطاع، ويخلق سلسلة متلاحقة من الأزمات الاقتصادية والصحية والاجتماعية.
ويرى أبو رحمة أن الوضع الإنساني في غزة يعمل أصلًا عند "حدود قصوى من التحمل"، محذرًا من أن استمرار القيود الحالية قد يقود إلى انهيار أوسع في منظومة الأمن الغذائي والصحي، ويزيد من الضغوط على المستشفيات ومراكز الإيواء وبرامج الإغاثة.
وتوقع أن تشهد الأسابيع المقبلة مزيدًا من ارتفاع الأسعار، واتساع دائرة نقص السلع الأساسية، وزيادة اعتماد السكان على المساعدات المحدودة، وتراجع قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها اليومية، إلى جانب اضطراب الأسواق واختفاء سلع إضافية نتيجة محدودية المعروض.
وأكد أن العديد من الجهات الإنسانية باتت تبدي مخاوف حقيقية من تدهور الوضع نحو مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، خاصة في ظل استمرار القيود المفروضة على دخول المساعدات والإمدادات الأساسية.
وفيما يتعلق بقدرة المؤسسات الإنسانية على مواصلة عملها، يوضح أبو رحمة أن هذه المؤسسات تواجه استنزافًا تدريجيًا نتيجة نقص التمويل والقيود التشغيلية وصعوبة إدخال المواد الأساسية، الأمر الذي يوسع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية المتزايدة والإمكانات المتاحة على الأرض.
ويختم بالقول إن "الرسالة التي تحاول إسرائيل إيصالها من خلال تضييق الحياة اليومية على سكان غزة تبدو مرتبطة بتعزيز أدوات الضغط الشامل، وإيصال انطباع بأن استمرار الوضع القائم ستكون له كلفة معيشية واقتصادية مرتفعة، محذرًا في الوقت ذاته من خطورة تحويل الاحتياجات الأساسية للسكان المدنيين إلى جزء من معادلة الصراع الدائر على الأرض".
حذر مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، د. إسماعيل الثوابتة، من تفاقم أزمة التجويع في قطاع غزة، نتيجة ما وصفه بـ"التقليص المتعمد" لإدخال المساعدات الإنسانية والغذائية، مؤكداً أن الغذاء والدواء باتا يستخدمان كأدوات ضغط وحصار على السكان.
وقال الثوابتة إن الاحتلال سمح، منذ بدء وقف إطلاق النار، بدخول 48,636 شاحنة فقط من أصل 131,400 شاحنة مطلوبة، بنسبة لا تتجاوز 37% من الاحتياج الفعلي للقطاع.
وأضاف أن النصف الأول من شهر مايو شهد تراجعاً أكثر خطورة، إذ دخلت 2,719 شاحنة فقط من أصل 10,800 شاحنة مطلوبة، بنسبة لا تتجاوز 25%، مشيراً إلى أن هذه الأرقام تعكس سياسة ممنهجة لـ"إدارة التجويع الجماعي".


التعليقات : 0