غزة/ أية عبد العال:
في غرفة داخل مستشفى ميداني بقطاع غزة، تفصل بين أسرّتها ستائر خفيفة بالكاد تحجب أنين المرضى، ترقد الصيدلانية إيمان المقيد (36 عامًا)، التي تحولت حياتها منذ إصابتها بشظايا صاروخ إسرائيلي في 10 كانون الأول/ديسمبر 2023 من تقديم الدواء للمرضى إلى تلقيه. فخروجها صباح ذلك اليوم إلى عملها في إحدى الصيدليات شمال القطاع كان بداية رحلة علاج لم تنتهِ بعد، امتدت لأكثر من عامين بين غرف العمليات وجلسات العلاج الطبيعي وانتظار تحويلة طبية لم تأتِ.
إلى جوارها تجلس والدتها المسنة، تساعدها في تفاصيل حياتها اليومية بعدما فقدت قدرتها على الحركة بصورة طبيعية، ولم تعد تستيقظ على صوت المنبه استعدادًا للذهاب إلى عملها في صيدلة الجوهرة، بل على مواعيد تغيير الضمادات والعلاج الطبيعي، الذي تصفه بأنه أكثر مراحل رحلتها قسوة.
وتقول وهي تحاول تحريك قدمها التي تيبست بفعل سنوات التثبيت المعدني: «كل يوم أقول لنفسي يمكن غدًا يكون أفضل... يمكن أرجع أمشي.»
بين البتر والأمل
تستعيد إيمان تفاصيل يوم إصابتها قائلة: «خرجت كعادتي إلى عملي، ولم يخطر ببالي أنني لن أعود إليه مرة أخرى، وأن حياتي ستتغير بالكامل.»
وبعد إصابتها نقلت إلى مستشفى كمال عدوان، حيث أخبرها الأطباء بأن بتر قدمها قد يكون الخيار الوحيد، إلا أنها تمسكت بفرصة إنقاذها.
وتقول: «رفضت البتر، كنت أريد أن أحافظ على قدمي، وأن أحصل على فرصة للمشي من جديد.»
وخضعت لعملية تثبيت باستخدام صفائح معدنية، إلا أن الأشهر تحولت إلى سنوات دون تحسن حقيقي، بل بدأت المضاعفات تتفاقم مع تفتت أجزاء من العظم والأنسجة، ما اضطر الأطباء لاحقًا إلى إجراء عملية ثانية باستخدام أدوات تثبيت مختلفة.
وتضيف: «انتظرت طويلًا أن تتحسن حالتي، لكن الألم ازداد، وأصبحت بحاجة إلى علاج غير متوفر في غزة.»
ومنذ ذلك الوقت تنتظر الحصول على تحويلة علاجية خارج القطاع، إلا أن استمرار إغلاق المعابر والقيود المفروضة على سفر المرضى حال دون تلقيها العلاج التخصصي الذي تحتاجه.
الزوج رهن الاعتقال
ولم تتوقف معاناة إيمان عند الإصابة، ففي الثالث من كانون الأول/ديسمبر 2024، وخلال اقتحام قوات الاحتلال مستشفى كمال عدوان وإجبار المرضى والطواقم الطبية على إخلائه، كان زوجها رامي المقيد يدفع كرسيها المتحرك ويساعدها على الخروج. تقول: «كان هو سندي الوحيد بعد إصابتي، لكن جنود الاحتلال أوقفوه خلال عملية الإخلاء واقتادوه إلى الاعتقال.»
وتضيف: «توسلت إليهم ألا يأخذوه، وقلت لهم إنني لا أستطيع الحركة بدونه، لكنهم هددوني بالسلاح وأجبروني على مواصلة السير، فيما اقتادوه بعيدًا.»
وجدت نفسها بعدها وحيدة، عاجزة عن الحركة، بينما كانت عائلتها نازحة في جنوب قطاع غزة، واعتمدت خلال تلك الفترة على مساعدة نساء نازحات إلى أن تمكنت عائلتها من العودة إليها بعد أشهر.
معركة لا تنتهي
ورغم خضوعها لعملية جراحية ثانية، ما تزال إيمان تعاني تيبسًا شديدًا في القدم نتيجة طول فترة التثبيت، وتحتاج إلى تغيير يومي للضمادات وجلسات علاج طبيعي مؤلمة.
ولا تستطيع الوقوف بمفردها، وتعتمد على الكرسي المتحرك، فيما لا تتمكن من المشي إلا لمسافات قصيرة باستخدام المشاية الطبية.
وتواصل» أن ظروف النزوح داخل خيمة، وارتفاع درجات الحرارة، والغبار، وصعوبة الحفاظ على نظافة الجروح، كلها عوامل فاقمت معاناتها وأبطأت تعافيها».
حلم مؤجل
ولم تكن الإصابة الخسارة الوحيدة في حياة إيمان، فمنذ زواجها قبل نحو ثلاثة عشر عامًا، تخوض رحلة علاج طويلة لتحقيق حلم الأمومة، بعد محاولات متكررة للإنجاب عبر زراعة الأجنة لم تنجح حتى الآن.
وتقول: «أكثر ما أخشاه أن يضيع حلم الأمومة مع مرور الوقت، خصوصًا بعد كل ما مررت به من عمليات وأدوية أثرت في صحتي.»
ولا تمثل قصة إيمان حالة فردية، إذ يواجه آلاف الجرحى في قطاع غزة صعوبات كبيرة في الحصول على العلاج التخصصي، نتيجة تدمير جزء كبير من المنظومة الصحية، ونقص المعدات والأدوية، واستمرار القيود على سفر المرضى، ما يطيل معاناتهم ويؤخر عمليات التأهيل، ويزيد من خطر الإعاقات الدائمة.
اليوم، لم تعد إيمان إلى الصيدلية التي كانت تقف فيها يومًا لتخفف آلام الآخرين، بل أصبحت حياتها موزعة بين سرير المستشفى والخيمة، وبين جلسات العلاج وانتظار فرصة للعلاج خارج غزة، ورغم الألم، لا تزال تتمسك بحلم بسيط تقول إنه يختصر كل ما تتمناه: «أريد فقط أن أمشي من جديد... وأن أعود إلى عملي وحياتي كما كنت.»


التعليقات : 0