غزة/ دعاء الحطاب:
لم تعد أسعار السلع في أسواق قطاع غزة تعرف طريقًا إلى الاستقرار، فالحرب لم تقتصر آثارها على الدمار والنزوح، بل امتدت إلى الأسواق، حيث تشهد حالة من التذبذب الحاد في أسعار الخضار والفواكه والسلع الأساسية بين ارتفاع قياسي وانخفاض مفاجئ، تبعاً لشح الكميات الواردة عبر المعابر و تقنين إدخالها، إلى جانب تراجع القوى الشرائية نتيجة تدني دخل الأفراد وتأخر صرف الرواتب. وبين مواطن يحاول تأمين احتياجات أسرته، وبائع يكافح لتجنب الخسارة، يعيش السوق حالة من الارتباك، يدفع ثمنها الجميع.
«حيرة لا تنتهي»
فهناك، داخل سوق النصيرات الشعبي وسط قطاع غزة، تمضي المواطنة أم محمد الشافعي (٣٨ عامًا) بخطوات بطيئة بين بسطات الخضار والفواكه، تتوقف عند كل بائع، تسأل عن سعر البندورة، ثم البطاطا، فالخيار، قبل أن تواصل سيرها إلى البسطة التالية، علها تجد سعراً أقل يتيح لها شراء ما يسد رمق عائلتها المكونة من ثمانية أفراد.
ورغم توافر أصناف مختلفة من الخضروات والفواكه في السوق، إلا أن الحيرة لا تفارق ملامحها، فأسعارها تتبدل باستمرار، لترتفع وتنخفض بوتيرة تربك المتسوقين، وتجعل التخطيط لاحتياجات يوم واحد مهمة شاقة بالنسبة لعشرات الأسر التي أنهكتها الحرب وتراجع القدرة الشرائية.
بينما تمسح قطرات العرق عن جبينها، تقول الشافعي لـ»الاستقلال»: «نعيش في حيرة لا تنتهي، فأسعار الخضار والفواكه تتغير كل يوم، وأحياناً خلال ساعات، لم نعد نستطيع إعداد قائمة بالمشتريات قبل الخروج إلى السوق، لأننا لا نعرف ماذا سنجد عندما نصل. حتى طبخة اليوم لم نعد نختارها نحن، بل تفرضها الأسعار وما يتبقى في جيوبنا».
وتتابع بغصة : «صرنا نشتري بالحبة بدل الكيلو، اذا كان معي خمسين شيكل، أقضي وقتي أحسب كيف أوزعها بين الخبز والخضار وأبسط احتياجات البيت، وفي كل مرة نضطر إلى شطب صنف جديد من القائمة لأنه أصبح خارج قدرتنا».
وتضيف: «أصعب شعور أن يطلب منك ابنك أكلة بسيطة، وتكون موجودة في السوق لكنك لا تستطيع شراءها، فالأسعار تتغير من ساعة إلى أخرى، بينما دخلنا شبه معدوم، لذلك أصبحنا نعيش على الحد الأدنى، و نكتفي بما يسد الجوع».
وتستذكر ما قبل الحرب بحسرة قائلة: «زمان كنا نروح على السوق ومعنا 100 شيكل، نشتري خضرة وفواكه ولحوم تكفينا لأسبوع كامل، أما اليوم 100شيكل ما بتكفي لمشوار واحد، ويمكن ما نرجع فيها إلا بمكونات وجبة واحدة».
«الباعة أيضًا يدفعون الثمن»
وبدوره، يقول البائع محمد الحاج، إن أسعار الخضروات والفواكه تشهد حالة من عدم الاستقرار، إذ تتغير بشكل شبه يومي تبعاً لكميات البضائع التي تدخل إلى قطاع غزة، إلى جانب الرسوم و التنسيقات المالية المفروضة عليها.
ويضيف الحاج خلال حديثه لـ» الاستقلال» : «في يوم السبت غالباً ما تكون البضائع شحيحة في الأسواق، وترتفع أسعارها نتيجة إغلاق المعابر وعدم السماح بدخول الشاحنات من الجانب الإسرائيلي، كما تشهد الأسعار ارتفاعا يومي الخميس والجمعة بسبب زيادة الطلب من المواطنين.»
ويوضح أن السلع الأساسية تُعد الأكثر تأثرًا في تقلبات الأسعار، وعلى رأسها البندورة والخيار والبطاطا والبصل، إلى جانب بعض السلع التموينية مثل الزيت والطحين والسكر.
ويتابع: «الزبائن يتذمرون دائمًا من ارتفاع الأسعار ويعتقدون أن الباعة هم السبب، لكن الحقيقة أننا أيضًا من المتضررين، فقد نشتري البضائع بسعر معين، ثم تنخفض أسعارها بعد ساعات «فنتكبد خسائر كبيرة».
ويستدرك: «لا أنكر أننا نحقق أحياناً هامش ربح عندما ترتفع الأسعار بعد أن نكون قد اشترينا البضائع بسعر أقل، لكن ذلك لا يحدث باستمرار، ولا يعوض الخسائر التي نتكبدها في أوقات كثيرة».
ويلفت إلى أن الباعة يواجهون تحديات كبيرة في توفير البضائع، أبرزها قلة المعروض، وارتفاع تكاليف النقل، وتلف الخضروات والفواكه بسبب درجات الحرارة المرتفعة وعدم توفر وسائل تبريد مناسبة، خاصة الأصناف سريعة التلف مثل البندورة والمشمش والخوخ والمانجا.
ويؤكد أن استقرار الأسواق يتطلب تسهيل إدخال البضائع إلى قطاع غزة بشكل منتظم ودون قيود، بما يضمن توفر السلع الأساسية واستقرار أسعارها، إلى جانب دعم القطاع الزراعي المحلي وتعزيز قدرته على الإنتاج، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الواردات.
«تشوه اقتصادي فرضته الحرب»
ومن جانبه، يؤكد المختص بالشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر، أن حالة عدم استقرار الأسعار في أسواق قطاع غزة، وما يرافقها من تذبذب يومي في أسعار الخضروات والفواكه، تعكس تشوهًا اقتصاديًا فرضته الحرب، بعد تدمير معظم مقومات الإنتاج الزراعي وتعطل منظومة الإمداد.
ويضيف أبو قمر لـ»الاستقلال»: « أن الاحتلال دمر نحو 87% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة، بعد أن كان القطاع يحقق اكتفاء ذاتياً تجاوز 120% في الخضروات، ووصل في بعض الفترات إلى نحو 90% في الفواكه، أما اليوم فقد انهارت السلة الغذائية المحلية، وأصبح الاعتماد الرئيسي على الاستيراد».
ويوضح أن الكميات التي تدخل إلى القطاع لا تلبي الاحتياجات الفعلية للسكان، إذ لا يتجاوز متوسط الشاحنات التجارية الداخلة نحو 200 شاحنة، رغم أن الاحتياج أكبر بكثير، الأمر الذي أدى إلى نقص المعروض وتقلب الأسعار بشكل شبه يومي.
ويتابع: «إلى جانب محدودية الواردات، يفرض الاحتلال تكاليف و تنسيقات باهظة على الشاحنات التجارية الداخلة للقطاع تتراوح ما بين (500- 600 ألف شيكل)، وفي النهاية يتحمل المواطن هذه الأعباء من خلال ارتفاع الأسعار، فضلاً عن استغلال بعض التجار لحالة السوق».
ويشير إلى أن نحو 70% من مساحة قطاع غزة لا تزال مناطق يتعذر الوصول إليها أو استصلاحها نتيجة السيطرة الإسرائيلية عليها، كما تمنع إسرائيل إدخال الكثير من المعدات والمستلزمات الزراعية، بما يشمل البذور والأسمدة وشبكات الري ومعدات تأهيل الآبار، الأمر الذي يعرقل أي محاولة لاستعادة الإنتاج المحلي.


التعليقات : 0