غزة/دعاء الحطاب:
ما إن يزيح الليل ستار عتمته، وتتسلل أشعة الشمس الأولى إلى خيام النازحين على شاطئ بحر غزة، حتى تغادر أم يامن السويركي (45 عامًا) خيمتها المتهالكة، برفقة بناتها الخمس وهن يحملن عبوات مياه فارغة، لينضمن إلى طابور طويل سبق شروق الشمس، أملًا في الحصول على ما يكفي من الماء ليوم جديد.
فمنذ أن دمر القصف الإسرائيلي منزل العائلة في حي الشجاعية شرق القطاع، لم تعد أم يامن تبدأ يومها بإعداد وجبة الإفطار أو ترتيب شؤون أسرتها، بل برحلة شاقة للبحث عن المياه، في وقت تحولت فيه قطرة الماء بغزة من خدمة أساسية إلى معركة يومية من أجل البقاء.
وبينما يعجز زوجها، المصاب بمرض السكري، عن الوقوف لساعات طويلة في طوابير الانتظار تحت أشعة الشمس الحارقة، تتحمل أم يامن وحدها عبء تأمين المياه لأسرتها، في معركة يومية لا تعرف إن كانت ستنتهي بعبوات ممتلئة أم بخيبة جديدة.
قصة أم يامن ليست استثناءً، بل واحدة من آلاف القصص التي تتكرر كل صباح في مخيمات النزوح بقطاع غزة، حيث يبدأ اليوم بطوابير المياه، وتقاس القدرة على الصمود أحياناً بعدد اللترات التي تنجح كل أسرة في تأمينها.
ولا تقتصر الأزمة على المعاناة اليومية التي يعيشها النازحون، إذ حذّر مركز غزة لحقوق الإنسان من انهيار شبه كامل لمنظومة المياه في القطاع، نتيجة تدمير البنية التحتية ومنع إدخال الوقود والمعدات اللازمة لتشغيل مرافق المياه.
وأشار إلى أن حصة الفرد من المياه تراجعت من نحو 80 لترًا يوميًا قبل الحرب إلى ما بين 3 و6 لترات في معظم المناطق، فيما لا تتجاوز لترين يوميًا في بعضها، وهو ما يفاقم المخاطر الصحية، خاصة بين الأطفال وكبار السن.
معاناة لا تتوقف
وفي خضم هذا الواقع ، تقول أم يامن لـ" الاستقلال":" الحياة بغزة صارت عنوان الشقاء والتعب، أبسط الأمور بحاجة إلى معركه حقيقية لنحصل عليه، حتى قطرة المياة صار بدها كفاح".
وتتابع بصوتٍ متعب :" احنا بنفتح عيوننا من الصبح نحلم بشاحنة المياة، ما بنفكر ولا بنعمل شيء، غير نطلع من الساعة سبعة لنوقف بطابور المياة، وأحياناً قبل وصول الشاحنة بساعة وأكثر عشان تحلق نعبى قبل ما تخلص المية".
وتضيف بغصة:" ما عاد يفرق معنا اذا كانت المئة حلوة أو مالحة، المهم يكون في مية نشربها"، مستدركة:" لحظات انتظار وصول الشاحنه صعبة للغاية، كلها قلق وخوف وتعب، لانه الشاحنة يمكن توصل مرة واحدة باليوم، و ممكن تنقطع لأيام حسب الدعم اللي بوصل للمخيم".
وأوضحت أن وصول شاحنة المياه بات بالنسبة لسكان المخيم حدثاً يعيد إليهم شيئاً من الحياة، قائلة: " لما نشوفها بنحس الروح رجعت إلنا، لكن الفرحة ما بتكمل، لأن كثير ناس بيرجعوا بعبوات فاضية لانه المية يتخلص قبل ما يوصل دورهم".
ولا تنتهي المعاناة عند الحصول على المياه، إذ تضطر" أم يامن" وبناتها إلى حمل العبوات الثقيلة لمسافات طويلة حتى الخيمة، فيما تضطر الأسرة في أحيان كثيرة إلى شرب مياه مالحة لغياب البديل.
وتقول: "بنحمل جالونات المية على أيدينا مسافات طويلة، وأوقات ما بنلاقي غير المية المالحة، الأطفال والكبار صاروا يعانوا من أمراض والتهابات ومشاكل جلدية.".
وتختصر أم يامن حجم المأساة بعبارة تحمل كل ما فقدته الأسرة من أبسط مقومات الحياة: " صرنا بنشرب بالقطارة، وحتى الاغتسال والوضوء بالقطارة عشان نوفر بالمية، فأكبر أمنياتنا اليوم نشرب كاسة مية نظيفة، ونتوضى من حنفية فيها مية".
رحلة شاقة
وما إن يسمع الحاج أبو علي سالم (64 عامًا) زمور شاحنة المياه الحلوة التابعة لليونيسف، حتى ينهض مسرعاً من مكانه، ممسكاً بجالوناته الفارغة، لينضم إلى عشرات النازحين المتزاحمين في طابور طويل ينتظر دوره.
ولأن سنوات العمر أثقلت جسده، يحاول سائق الشاحنة تعبئة جالوناته أولاً تخفيفاً لمعاناته، إلا أن ذلك لا يخفف سوى جزء يسير من معاناته. فالأصعب يبدأ بعد امتلاء الجالونات.
ينحني الحاج( أبو علي) ليرفع أول جالون، ثم يشق طريقه ببطء نحو خيمته، لا يقطع سوى خطوات قليلة حتى تتوقف قدماه، و ترتجف يداه تحت ثقل الحمولة، فيلتقط أنفاسه قبل أن يواصل السير من جديد .. يضع الجالون عند باب الخيمة، ثم يستدير عائداً إلى الشاحنة ليكرر الرحلة ذاتها مع الثاني، ثم الثالث.
ويقول سالم بصوتٍ مرتجف: "ما في حدا بقصر بالمساعدة، لكن كل واحد كبير أو صغير واقف عند شاحنة المي عنده جالونات وعبوات لازم ينقلها ويحافظ عليها... الله يعين كل واحد على حمله".
بينما يمسح قطرات العرق عن جبينه، يضيف لـ" الاستقلال": "تعيس الحظ اللي بوقف ساعات في طابور المي، وبالنهاية ما بيلحقه الدور، ساعتها بيضطر يروح لمحطات المياه البعيدة عن مخيمات النزوح، أو يشتريها بأسعار غالية".
ويشير إلى أن سعر قربة المياه سعة 10 لترات يبلغ 2شيكل ، مضيفاً: "وبالنهاية بتطلع مي مالحة، لكن بنضطر نشربها لأنه ما في بديل".
ويختتم حديثه بحسرة: "زمان كانت المي توصل لبيوتنا بدون أي مجهود، أما اليوم فلازم نعافر و نخوض معارك عشان نحصل عليها، المي ما عادت رفاهية... صارت مسألة كرامة".
رشفات آمنة
وهناك في خيمة صغيرة داخل مخيم "بسمة أمل" غرب النصيرات، لا تنشغل أم يحيى حماد (35 عامًا) بالبحث عن الماء لنفسها بقدر انشغالها بكيفية تأمين بضع رشفات آمنة لطفلها الرضيع، الذي لم يتجاوز عمره ثلاثة أشهر.
فبعد سنوات من الإجهاضات المتكررة، جاء طفلها الذي طال انتظاره، ليكبر في زمن باتت فيه قطرة الماء النظيفة أمنية يومية.
وتقول حماد وهي تحتضن رضيعها: "إحنا بنتحمل المية المالحة و الملوثة، لكن هاد الطفل الصغير كيف بده يتحملها؟ شو حيصير فيه إذا شربها؟".
وأوضحت لـ"الاستقلال"، أنها لم تعد تجد مياة آمنة لتحضير الحليب لطفلها، ما اضطرها إلى شراء زجاجة مياه معدنية سعة (نصف لتر) كل يوم، رغم ارتفاع سعرها من شيكل واحد قبل الحرب إلى أربعة شواكل حالياً.
واضافت:" أن شراء المياة المعدنية بشكل يومي بات أمراً مرهقا للغاية، ويحتاج لميزانية كاملة بالوقت اللي بالكاد قادرين نوفر فيه أكلنا".
وتنظر إلى طفلها بصمت قبل أن تقول: "إحنا كل يوم بنموت ألف مرة من القهر على أطفالنا، ما بتقدر نوفر الهم شيء لا ملبس ولا مأوي ولا طعام .. حتى قطرة مية نظيفة مش قادرين نوفرها لهم".
وتختتم حديثها بعدة أسئلة ستبقي اجابتها مفقودة بحسب رأيها:" باي قانون اللي بصير فينا؟، و أمتي حنضل هيك؟ وين مؤسسات الطفولة وحقوق الإنسان؟".


التعليقات : 0