غزة / دعاء الحطاب:
داخل خيمة متواضعة على شاطئ بحر غزة، يقضي الشاب علي ياسين (39 عامًا) ساعات يومه محاولًا التعايش مع ألمٍ لا يهدأ، فقد خسر قدمه اليمنى ويده اليسرى جراء قصف إسرائيلي خلال الحرب، إلا أن الإصابة التي ما زالت تطارده حتى اليوم ليست البتر بحد ذاته، بل شظية استقرت قرب عموده الفقري، تاركةً خلفها آلاماً مزمنة وصعوبة في الحركة.
يقول ياسين، بينما يغيّر جلسته بصعوبة بحثًا عن وضعية تخفف من أوجاعه:" بعد بتر قدمي ويدي بفترة خف الوجع ، لكن سرعان ما عاد الألم بطريقة قاسية جداً، وكأن ظهري ينقسم لنصفين".
ويضيف خلال حديثه لـ "الاستقلال":" عندما توجهت للمستشفى أخبروني الأطباء أن الشظية المستقرة بالقرب من العمود الفقري تتحرك، وأحتاج لعملية دقيقة لإخراجها"، مستدركاً :" لكن يا حسرة في غزة ما في أجهزة ولا إمكانيات، حتى السفر للعلاج شبه مستحيل".
ويصف حياته اليومية بأنها دائرة مغلقة من الألم والانتظار: " الألم أصبح جزء من حياتي لا يفارقني ابداً، والمسكنات الشيء الوحيد الذي يساعدني ".
"ياسين" واحداً من ألاف الجرحى الذين لم تتوقف معاناتهم عند لحظة النجاة من القصف الإسرائيلي، فالشظايا التي استقرت قرب الأعصاب، أو داخل العظام و الأعضاء الحساسة من أجسادهم تحولت إلى مصدر دائم للألم، نتيجة تأخر العمليات الجراحية الدقيقة اللازمة لاستخراجها.
وتعاني المنظومة الصحية بقطاع غزة من نقص حاد بالمعدات والأجهزة الطبية والكوادر التخصصية اللازمة للتعامل مع الإصابات المعقدة، في ظل استمرار الحصار الإسرائيلي ومنع إدخال الاحتياجات الطبية الأساسية وخروج المرضى للعلاج.
ويحذر أطباء من أن بقاء الشظايا داخل الجسم لفترات طويلة قد يؤدي إلى مضاعفات صحية متعددة، من بينها الالتهابات المزمنة، وتلف الأعصاب، وتقييد الحركة، وفي بعض الحالات إعاقات دائمة قد ترافق المصاب مدى الحياة.
بين الألم والانتظار
في إحدى زوايا منزلها المُدمر جزءًا، ترقد الطفلة شام الأشرم (10 أعوام) على سرير خشبي، تراقب شقيقاتها وهنّ يلعبن بالخارج، تتابع ضحكاتهن بصمت، بينما تمنعها شظية مستقرة في صدرها من مشاركتهن أبسط تفاصيل الطفولة.
فمنذ أكثر من عام، لم تعد "شام" تلك الطفلة التي كانت تركض في فناء المنزل وتقضي ساعاتها بين اللعب والمرح، فإصابة تعرضت لها خلال قصف إسرائيلي غيّرت حياتها بالكامل، وحولت طفولتها إلى رحلة علاج لم تصل إلى نهايتها بعد.
وتروي والدتها تفاصيل ذلك اليوم قائلة: "كانت شام تلعب على الأرجوحة في ساحة المنزل، عندما استُهدف منزل أحد الجيران بالمنطقة، وخلال ثوانٍ امتلأ المكان بالشظايا والغبار، و أصيبت ابنتي بشظية اخترقت صدرها واستقرت بداخله ومنذ ذلك الحين تغيّرت حياتها بالكامل".
وتقول والدتها لـ"الاستقلال"، وهي تنظر إلى ابنتها الراقدة على السرير: "شام لم تعد قادرة على الحركة مثل باقي الأطفال، تخاف من الجري واللعب، وحتى الضحك أحياناً".
وتتابع بغصة:" كثيراً ما تستيقظ شام ليلاً وهي تبكي من شدة الوجع، ولا نملك سوى احتضانها وانتظار أن يهدأ الألم".
وتضيف: "أصعب شيء على الأم أن ترى طفلتها تتألم ولا تستطيع أن تفعل لها شيئاً، أحيانًا تبقى شام مستيقظة لساعات وهي تبكي، وتسألني متى ستشفى وتعود للعب مع أخواتها، ولا أجد جواباً أواسيها فيه"،مستدركة:"نشعر أن طفولتها تُسلب منها يوماً بعد يوم.
رحلة البحث عن العلاج لم تكن أقل قسوة من الإصابة نفسها، فبحسب والدة الطفلة ، لم تترك العائلة طبيباً أو مستشفى أو عيادة إلا وراجعتها، لكن الإجابة كانت واحدة في كل مرة: "شام تحتاج إلى عملية دقيقة بمعدات خاصة لإزالة الشظية، إلا أن إجراؤها يتطلب معدات خاصة غير متوفرة داخل القطاع، نظراً لوجودها بمنطقة حساسة قريبة من القلب".
ومع مرور الوقت، أصبحت المسكنات جزءاً من يوميات الطفلة "شام"، رغم أنها لم تعد تخفف الألم كما كانت في السابق.
وتقول الأم بصوت يختلط فيه الخوف بالأمل: "لا أخاف على ابنتي من الألم فقط، بل أخاف أن تكبر وهي تحمل هذه الشظية داخل جسدها، كل يوم يمر دون علاج يزيد قلقنا، وكل ما نتمناه أن تحصل على فرصة حقيقية للشفاء".
المنظومة الصحية.. عجز بنسب كارثية
ولا تقتصر معاناة المصابين على الألم الناتج عن الشظايا والإصابات المعقدة، بل تتفاقم بفعل التدهور الحاد الذي تعانيه المنظومة الصحية في قطاع غزة، في ظل النقص المستمر في الأدوية والمستهلكات الطبية والتجهيزات الجراحية المتخصصة.
ووفقًا لبيانات وزارة الصحة في غزة، فإن نحو 10 آلاف جريح يحتاجون إلى تدخلات جراحية متقدمة، تشمل جراحات العظام، والمخ والأعصاب، والأوعية الدموية، وغيرها من العمليات التخصصية التي يصعب توفيرها في ظل الإمكانيات المتاحة حاليًا.
وتشير البيانات إلى أن المستشفيات تعاني من نقص حاد في الأدوات والمستلزمات اللازمة لإجراء العديد من الجراحات الدقيقة، بما في ذلك جراحات المخ والأعصاب والعظام والقلب والصدر والأوعية الدموية، حيث تصل نسبة العجز في بعض الاحتياجات إلى نحو 80%.
كما تواجه المؤسسات الصحية نقصًا متزايدًا في الأدوية الأساسية، إذ تجاوزت نسبة الأصناف غير المتوفرة 50%، فيما بلغت نسبة العجز في أدوية الطوارئ المنقذة للحياة نحو 40%، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على قدرة الطواقم الطبية على تقديم الرعاية اللازمة للجرحى والمرضى.


التعليقات : 0