خوفا من الحشرات والقوارض

النوم ليلا.. امتحان قاسٍ ومهمة مستحيلة لدى أمهات غزة

النوم ليلا.. امتحان قاسٍ ومهمة مستحيلة لدى أمهات غزة
تقارير وحوارات

غزة/ سماح المبحوح:

في قطاع غزة المنكوب لم يعد إنجاب الأطفال حدثًا يحتفى به، بل معركة نجاة تخوضها الأمهات كل ليلة في خيام ممزقة محاطة بالقوارض والحشرات، يحاولن حماية أطفالهن من لدغة مميتة أو قرصة تتسبب بمرض جلدي يصعب التعافي منه.

فمع حلول الليل يصبح الخلود إلى النوم والراحة بعد يوم طويل وشاق، مهمة مستحيلة وامتحان قاسٍ لدى الأمهات، إذ يجلسن بعيون مفتوحة على اتساعها تتحرك كرادار حسي، وبظهر مسنود إلى عمود الخيمة الخشبي، يضعن أطفالهن بالقرب منهن، يرمشن ببطء شديد خشية من الغفلة من حشرة أو قارض يتربص بهم.

ومع دخول الصيف وموسم ارتفاع درجات الحرارة أصبحت مشكلة القوارض والفئران والحشرات في مخيمات النزوح في القطاع من أخطر المشكلات الصحية والبيئية التي يعانيها النازحون مع تدهور الظروف المعيشية ونقص الخدمات الإنسانية الأساسية.

وفي شهر نيسان/ ابريل الماضي، أعلنت منظمة الصحة العالمية تسجيل أكثر من 17 ألف إصابة بين النازحين الفلسطينيين بقطاع غزة مرتبطة بالقوارض والطفيليات الخارجية منذ بداية العام 2026، وسط تدهور الأوضاع الصحية والإنسانية جراء تداعيات الإبادة الإسرائيلية.

بينما يغط أطفال الأم إسراء صيام في نوم متقطع، تصبح أذنها ميكروفوناً فائق الحساسية، حفيف الريح في قماش الخيمة لا يمر كصوت طبيعي، يترجمه دماغها فوراً كخطوات تقترب، وصرخة قطة في البعيد تجعل جسدها يتصلب في جزء من الثانية.

 صيام، أم لطفلين أصغرهما لم يبلغ العامين، تعيش معهما في خيمةٍ لا تتجاوز مساحتها أمتارًا قليلة في مواصي خان يونس، لم تمنحها القوارض والحشرات المنتشرة بشكل كبير فرصة لتعيش لحظة أمومة هادئة، قائلا بصوتٍ متعب وقد أرهقها السهر: " خايفة كثير على أطفالي، استخدمت أنا وزوجي كل الوسائل لحمايتهم من القوارض والحشرات لكن دون جدوى، فمياه الصرف الصحي والحفر الامتصاصية وأكوام النفايات محيطة بنا من كل جانب".

تشير بلديات القطاع إلى تكدّس النفايات في قلب الشارع والمدن، والدمار الكبير في البنية التحتية والمنشآت وأزمة النزوح، إضافة إلى تردّي أماكن العيش والخيام، وتسرّب المياه العادمة في الشوارع.

تصف الأم لـ"الاستقلال" يومها بأنه قلقٌ ممتدٌ لا نهاية له، إذ لا يمر يوم دون أن يتعرض أطفالها لقرصات الحشرات، ما يترك على أجسادهم الصغير آثارًا مؤلمة، بينما تحاول هي بوسائل بسيطة أن تخفف عنهما، مضيفة: "كل يوم بصحى بلاقي علامات جديدة على أجسامهم، وبحس بالعجز، ما في شي قدامي لأقدر أحميهم".

لكن الليل هو الأسوأ بالنسبة لها، فتضيف: "بقضي الليل في مراقبة الأرض، وأي حركة بتخليني أنقز، الفئران حوالينا، وأنا وأبوهم خايفين تقرب من الأولاد".

ولم يمض وقت طويل حتى ظهرت آثار السهر والخوف على صحة اسراء، فقد أصبحت تعان من إرهاقٍ دائم، وصداعٍ لا يفارقها، وتوترٍ يجعلها على حافة الانهيار: "بحس جسمي تعب، ونفسيتي تعبت أكثر، ما في راحة، ولا أمان، ولا حتى نوم".

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإنّ الظروف المعيشية في هذه المخيمات "تتسم بانتشار القوارض والطفيليات"، وذلك استنادا إلى زيارات ميدانية لطواقمه في آذار/مارس.

قلق دائم

وتعيش الأم عائشة مصطفى حالة من القلق الدائم لحماية أطفالها من غزو القوارض والحشرات، كما سابقتها وأمهات القطاع، ما تسبب لها بإرهاق نفسي وجسدي مستمر خوفا من إصابتهم بالجرب أو حمى التيفوس أو التهابات جلدية مختلفة.

وتوضح مصطفى في حديثها لـ"الاستقلال" أنها تحاول وزوجها بوسائل بسيطة مثل المصائد والأوعية محكمة الإغلاق الحد من مخاطر القوارض الأكثر فتكا بالأطفال، لكنها غالبا تفشل وغير فعالة، بسبب كثافة انتشارها وفتحات الخيام التي تسمح بدخولها.

وتبين أنها وزوجها يتناوبون السهر ليلا لحماية أطفالهم، فالخوف والقلق عليهم من القوارض والحشرات تجاوز حد تحمل أجسادهن المرهقة كثيرا ليال أخرى دون نوم.

وتشير إلى أن القوارض لم تشفع لرضيع نائم في مهده كالملاك في خيمة قماشية مهترئة بالقرب منها، حيث انقضت عليه احداها ما تسبب له بجروح بالغة في وجه الصغير، يحتاج لشهور طويلة للتعافي منها.

التعليقات : 0

إضافة تعليق