التوجيهي في غزة.. طلبة يمتحنون أحلامهم بين الخيام والمقاهي تحت وطأة الحرب

التوجيهي في غزة.. طلبة يمتحنون أحلامهم بين الخيام والمقاهي تحت وطأة الحرب
تقارير وحوارات

غزة/ دعاء الحطاب :
لم تعد الطالبة ياسمين الحداد تعرفظ الطريق إلى مدرسة، ولا تحفظ شكل قاعة امتحان كما اعتاد طلبة الثانوية العامة في كل عام. فمنذ أن دمرت الحرب منزل عائلتها، أصبحت الخيمة التي تؤويها في مدينة دير البلح مكانًا مؤقتًا للحياة والدراسة معًا، ومقعدًا بديلاً عن المدرسة التي غابت عن حياتها منذ سنوات.

وسط ضجيج مخيمات النزوح وحرارة الصيف الخانقة والطنين المتواصل للطائرات المسيّرة، تخوض ياسمين، طالبة الفرع العلمي، امتحانات الثانوية العامة إلكترونيًا، مدركة أن نجاحها لا يتوقف على إتقان المادة الدراسية فحسب، بل على قدرتها أيضًا في العثور على مصدر كهرباء وإنترنت مستقرين يضمنان وصولها إلى منصة الامتحان.

وتعيش ياسمين، شأنها شأن آلاف الطلبة في قطاع غزة، حالة من القلق المركب؛ فبينما ينشغل الطلبة عادة بمراجعة الدروس والاستعداد للاختبارات، تخشى هي أن يضيع جهد سنوات بسبب انقطاع مفاجئ للكهرباء أو ضعف شبكة الإنترنت أو أي خلل تقني قد يحول بينها وبين استكمال الامتحان.

ويخوض نحو 37 ألفًا و698 طالبًا وطالبة في قطاع غزة امتحانات الثانوية العامة إلكترونيًا ضمن دورة موحدة مع الضفة الغربية، وذلك للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ومع تدمير عشرات المدارس وتحويل ما تبقى منها إلى مراكز إيواء للنازحين، اضطرت وزارة التربية والتعليم إلى اعتماد نظام الامتحانات الإلكترونية، فيما لجأ آلاف الطلبة إلى المقاهي والمساحات التعليمية التي توفر خدمة الإنترنت والكهرباء لتقديم اختباراتهم.

معاناة تتجاوز الامتحان

بصوت يختلط فيه الإرهاق بالأمل، تقول ياسمين لصحيفة "الاستقلال": "يحصل طلبة الثانوية العامة في كل مكان على رقم جلوس وقاعة امتحان، أما نحن في غزة فمنذ سنوات نبحث بأنفسنا عن مكان تتوفر فيه الكهرباء والإنترنت ليصبح قاعة امتحاننا المؤقتة".

ولا تقتصر معاناة الطالبة على ساعات الامتحان فقط، بل تمتد إلى تفاصيل يومها الدراسي داخل الخيمة التي تفتقر إلى الحد الأدنى من الهدوء والخصوصية، حيث تحاول إيجاد مساحة للمذاكرة بين ضجيج الجيران وازدحام أفراد الأسرة والقلق الدائم الذي يفرضه التحليق المستمر للطائرات في سماء القطاع.

وتوضح أن جيلها بأكمله حُرم من الحياة المدرسية الطبيعية، إذ لم يجلس معظم الطلبة على مقاعد الدراسة النظامية منذ الصف العاشر، ولم يعيشوا تفاصيل الطابور الصباحي أو الحصص الصفية أو المراجعات المباشرة مع المعلمين، بل وجدوا أنفسهم أمام تجربة قاسية من التعليم الذاتي ومحاولات مستمرة لتعويض الفاقد التعليمي الذي خلفته سنوات الحرب والنزوح.

ورغم كل ما مرت به، تتمسك ياسمين بحلم النجاح، ليس بوصفه بوابة للجامعة فقط، بل باعتباره انتصارًا شخصيًا على سنوات الفقد والتهجير والحرمان، ورسالة تؤكد أن جيلاً كاملاً ما زال متمسكًا بحقه في التعليم حتى من داخل الخيام.

على طاولات المقاهي

في ساعات الصباح الأولى، يغادر الطالب ياسر حمد خيمته متجهًا إلى أحد المقاهي القريبة، حاملاً قلقه أكثر مما يحمل كتبه. فبالنسبة له، لا تبدأ معركة الامتحان مع الأسئلة، بل مع البحث عن كهرباء لا تنقطع وشبكة إنترنت لا تخذله.

بين الطاولات المزدحمة بالطلبة، يحاول العثور على مقعد يضمن له فرصة عادلة لتقديم امتحانه، في واقع أصبح فيه الوصول إلى الإنترنت تحديًا لا يقل صعوبة عن الامتحان نفسه.

ويقول لصحيفة "الاستقلال": "لم يعد خوفي من الامتحان، بل من أن تنقطع الكهرباء أو يضعف الإنترنت قبل أن أتمكن من إرسال إجاباتي".

ويضيف أن امتحان الثانوية العامة في غزة يبدأ فعليًا قبل موعده بساعات طويلة، إذ يقضي الليلة السابقة في البحث عن وسيلة لشحن هاتفه وحاسوبه، بينما يراقب مستوى البطارية كما يراقب ما تبقى عليه من دروس للمراجعة.

وفي صباح يوم الامتحان، يصل إلى المقهى قبل وقت كافٍ، يتأكد من سرعة الشبكة، ويسأل العاملين عن احتمالات انقطاع الكهرباء، ويراقب المقاعد التي امتلأت بطلبة يشاركونه القلق ذاته.

ويتابع: "أحيانًا أتنقل بين أكثر من مقهى بحثًا عن إنترنت أفضل، وكأنني أبحث عن قاعة امتحان ضائعة".

وخلال الامتحان، لا ينصب تركيزه بالكامل على الأسئلة، بل يبقى جزء منه معلقًا بمؤشر الإنترنت ونسبة شحن البطارية، فيما تتحول لحظة الضغط على زر "إرسال" إلى أكثر لحظات الاختبار توترًا وارتياحًا في آن واحد.

ويشير إلى أن التحديات لم تبدأ مع الامتحانات الإلكترونية، بل رافقت العملية التعليمية بأكملها، حيث اضطر إلى الدراسة داخل خيمة مكتظة بالنازحين وسط الضوضاء المستمرة وغياب الكهرباء، وكان ينتظر ساعات الليل المتأخرة للمذاكرة على ضوء مصباح خافت بعد أن يهدأ المكان قليلًا.

ويلخص ياسر واقع آلاف الطلبة في غزة بقوله: "نحن لا نمتحن في المواد الدراسية فقط، بل نمتحن كل يوم في قدرتنا على الصمود ومواصلة التعليم رغم حرب سرقت منا المدرسة والبيت وكل شيء تقريبًا".

آلاف الطلبة يتقدمون للامتحانات

وبحسب الناطق باسم وزارة التربية والتعليم صادق الخضور، يبلغ عدد المتقدمين لامتحانات الثانوية العامة هذا العام نحو 91 ألف طالب وطالبة، بينهم قرابة 51 ألفًا و500 في الضفة الغربية، ونحو 37 ألفًا و700 في قطاع غزة، إضافة إلى أقل من ألفي طالب وطالبة خارج فلسطين.

وأشار الخضور إلى أن 65 طالبًا حُرموا من التقدم للامتحانات بسبب وجودهم في السجون الإسرائيلية، فيما يخوض طلبة غزة اختباراتهم في ظروف استثنائية وغير مسبوقة فرضتها الحرب المستمرة وما خلفته من دمار واسع طال قطاع التعليم ومؤسساته.

التعليقات : 0

إضافة تعليق