من الركام إلى التكريم.. "هدائي" تحتفي بـ303 من حفظة القرآن في غزة

من الركام إلى التكريم..
القدس واللاجئين

غزة/ سماح المبحوح:

من بين الركام الذي خلّفته الحرب، وخيام النزوح التي باتت ملاذًا لآلاف العائلات، صعد أكثر من 300 طفل وطالب وطالبة إلى منصة تكريم في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، بعدما أتموا حفظ القرآن الكريم أو أجزاء منه، في رحلة تعليمية لم تكن منفصلة عن واقع الحرب، بل جرت في ظل النزوح وانقطاع الكهرباء ونقص المياه والاحتياجات الأساسية.

وفي مشهد اختلطت فيه مشاعر الفرح بأوجاع الحرب، كرّمت مؤسسة وقف "هدائي" التركية 303  حافظين وحافظات للقرآن الكريم، خلال حفل أقيم على أرض ملعب العنان، قرب مدخل مدينة دير البلح وبجوار مسجد النقلة، بحضور عائلات الطلبة ورجال دين وشخصيات اعتبارية.

وجاء الحفل تتويجًا لجهود تعليمية استمرت رغم الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة، حيث وجد الأطفال في حلقات تحفيظ القرآن مساحة لمواصلة التعليم، بعدما تعطلت العملية التعليمية الرسمية بفعل الحرب والأضرار الواسعة التي لحقت بالمدارس والمنشآت التعليمية.

وتخللت المناسبة فقرات متنوعة، من بينها السلام الوطني الفلسطيني، والأناشيد والابتهالات الدينية، إلى جانب كلمات للمشرفين على المشروع، قبل أن تختتم بتكريم الطلبة والطالبات الذين أتموا حفظ القرآن الكريم أو أجزاء منه.

ستة أجزاء في زمن الحرب

وسط الحضور، وقفت الطالبة آمنة حجاج، من مدرسة "هدائي 8"، وهي تحمل فرحة خاصة بعدما تمكنت من حفظ ستة أجزاء من القرآن الكريم خلال فترة وجيزة، رغم الظروف الصعبة التي أحاطت بها وبزملائها.

وتقول حجاج "إن مدرسة "هدائي" وفرت لها بيئة ساعدتها على مواصلة الحفظ والتعلم، "مشيدة بالطاقم التدريسي ومستوى المعلمين وقدرتهم على إيصال المعلومات إلى الطلبة والطالبات.

ولا تقتصر رحلة آمنة داخل المدرسة على حفظ القرآن؛ فهي تواصل في الوقت ذاته دراسة عدد من المواد الأساسية، بينها الرياضيات واللغة العربية والتربية الدينية واللغة الإنجليزية، وتطمح إلى إكمال حفظ كتاب الله كاملًا.

وتنصح زملاءها بالالتحاق بمدارس "هدائي"، معتبرة أن ما تقدمه يتجاوز التعليم التقليدي، من خلال الجمع بين الدراسة والتربية وحفظ القرآن الكريم.

تعليم تحت وطأة الحرب

ويقول المشرف التعليمي وممثل وقف "هدائي"، د. بلال أبو طير، "إن تكريم 303 حافظين وحافظات يمثل ثمرة جهود المدارس التابعة للمؤسسة في قطاع غزة، موضحًا أن الوقف يدير عشر مدارس تضم أكثر من 10 آلاف طالب وطالبة ضمن برامج تعليمية وإغاثية متعددة".

ويضيف أبو طير "أن مشروع تحفيظ القرآن يأتي في إطار مسعى المؤسسة إلى "الارتقاء بالقرآن وبأهل القرآن"، والحفاظ على الهوية الإسلامية والطابع الإسلامي للمدارس، إلى جانب توفير التعليم للأطفال في ظل تعطل جزء كبير من العملية التعليمية الرسمية بسبب الحرب".

ويشير إلى أن الطلبة المكرمين لم ينجزوا حفظهم في ظروف اعتيادية؛ فقد عاشوا شهورًا من النزوح، وفقد بعضهم منازلهم وأفرادًا من عائلاتهم، بينما توجد بين الحفظة حالات فقدت معظم أفراد أسرتها، وبات الطالب أو الطالبة من الناجين القلائل منها.

ويقول أبو طير إن هؤلاء الأطفال "يعانون الفقد" إلى جانب ظروف قاسية أخرى، من انقطاع الكهرباء وحرارة الخيام ونقص المياه والغذاء، لكنهم واصلوا طريقهم في الحفظ والتعليم، معتبرًا أن ذلك يحمل رسالة مفادها أن الفلسطينيين "شعب حي وأبي ويعيش بالقرآن".

تعويض الفاقد التعليمي

ولم يقتصر برنامج المؤسسة على حلقات التحفيظ، إذ أوضح أبو طير أن "هدائي" نظمت مخيمات صيفية داخل مدارسها استمرت نحو ستة أسابيع، تضمنت حفظ القرآن الكريم وأجزاء منه، إلى جانب دروس في علوم القرآن والتفسير والسيرة النبوية، فضلًا عن مواد تعليمية أخرى.

وجاءت هذه البرامج، بحسب أبو طير، في محاولة لتعويض جانب من الفاقد التعليمي الذي تراكم نتيجة غياب المدارس الرسمية وتعطل الدراسة خلال الحرب، ومنح الأطفال مساحة لاستعادة جزء من حياتهم التعليمية وسط واقع النزوح.

وبالنسبة للأطفال، لم تكن حلقات الحفظ مجرد دروس إضافية، بل شكلت مساحة للالتقاء والتعلم والاستمرار في نشاط يومي منظم، في وقت فقد فيه كثير منهم المدارس والبيوت والاستقرار الذي كان يحيط بحياتهم قبل الحرب.

توسع رغم الحاجة

ويكشف أبو طير عن توجه وقف "هدائي" إلى افتتاح مدرسة جديدة في مدينة غزة، وأخرى في مدينة خان يونس جنوب القطاع، استجابة للإقبال المتزايد من الطلبة وذويهم على مدارس المؤسسة وبرامجها التعليمية.

ويؤكد أن الوقف يواصل تنفيذ برامجه التعليمية والإغاثية في غزة، بدعم من الشعب التركي، بهدف مساندة الطلبة وعائلاتهم في مواجهة الظروف التي فرضتها الحرب.

وفي دير البلح، لم يكن مشهد تكريم الحفظة احتفالًا بنهاية رحلة حفظ فحسب، بل بدا أيضًا كاستعادة مؤقتة لمشهد افتقده أطفال غزة طويلًا: منصة، وملابس احتفال، وعائلات تصفق لأبنائها، وأطفال يحملون شهاداتهم وسط واقع ما زالت الحرب تفرض فيه على التعليم والحياة اليومية أثمانًا باهظة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق