من الضرورة إلى الرفاهية المؤجلة.. أسعار الأجهزة الإلكترونية تثقل الغزيين

من الضرورة إلى الرفاهية المؤجلة.. أسعار الأجهزة الإلكترونية تثقل الغزيين
تقارير وحوارات

غزة/ آية عبد العال:

في قطاع غزة، لم يعد شراء هاتف محمول أو حاسوب مسألة تتعلق بالحاجة وحدها، بعدما أدت الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى تراجع دخول الأسر وارتفاع تكاليف المعيشة، فيما زادت أسعار الأجهزة الإلكترونية إلى مستويات تفوق قدرة كثير من الغزيين على شرائها.

وبينما أصبحت الهواتف والحواسيب أدوات أساسية للطلاب والعمل والتواصل، تزداد الحاجة إليها للوصول إلى الخدمات الرقمية، ومنها الخدمات المالية وبعض برامج المساعدات التي تعتمد على المحافظ الإلكترونية.

لكن تضرر الأسواق وصعوبة توفير بعض الأجهزة وملحقاتها، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية، دفعت كثيرًا من الأسر إلى تأجيل شراء الأجهزة الجديدة أو الاستمرار في استخدام هواتف وحواسيب قديمة، حتى عندما لم تعد تلبي احتياجاتهم، لتتحول الأجهزة الإلكترونية تدريجيًا من أدوات أساسية إلى سلع مؤجلة الشراء.

الحاجة لا تعني القدرة

منذ عامين يحاول الطالب الجامعي محمد العالول توفير حاسوب يساعده في متابعة دراسته، لكن ارتفاع الأسعار ومحدودية الأجهزة المتاحة حالا دون ذلك.

ويقول العالول لـ"الاستقلال" إن بعض الأجهزة المتوفرة قديمة وتحتاج إلى صيانة، وإن توفر حاسوب جيد يكون سعره مرتفعًا جدًا"، مضيفًا "أن الحاسوب كان في السابق متاحًا للطلاب ويمكن شراؤه أو استعارته بسهولة، أما الآن فأصبح الحصول عليه مشكلة بحد ذاتها".

ويضطر العالول أحيانًا إلى استخدام هاتفه لإنجاز مهام دراسية تحتاج إلى حاسوب، موضحًا أن بعض الملفات والبرامج والأبحاث يصعب التعامل معها عبر الهاتف.

 

القديم خيار اضطراري

 

ولا تختلف الصورة كثيرًا بالنسبة للهواتف المحمولة، إذ يضطر المواطن محمد فرج الله، في ظل ظروف النزوح، إلى استخدام هاتفه القديم رغم ضعف بطاريته وتضرر شاشته، لعدم قدرته على شراء جهاز جديد.

ويقول فرج الله لـ"الاستقلال" إن الهاتف لم يعد مجرد وسيلة للاتصال، بل يعتمد عليه في التواصل مع عائلته ومتابعة الأخبار وتحويل الأموال وإجراء المدفوعات الإلكترونية، وحتى إضاءة الخيمة في ظل انقطاع الكهرباء، مضيفًا: "عندما يتعطل الهاتف تصبح أمور كثيرة في حياتي متوقفة".

أما ختام زيارة، فتقول إنها حُرمت من تلقي مساعدات نقدية من مؤسسات دولية تعتمد على المحافظ الإلكترونية، بعدما لم تتمكن من تفعيل التطبيق على هاتفها.

وعندما توجهت لشراء هاتف جديد، فوجئت بأسعار لم تستطع تحملها، لتجد نفسها أمام عائق إضافي يحول دون الوصول إلى المساعدة التي تحتاجها.

ويظهر تغير سلوك المستهلكين أيضًا في محال صيانة الأجهزة، حيث يقول فني صيانة الهواتف والحواسيب خالد النحال إن الزبائن باتوا يسألون عن إصلاح أجهزتهم أكثر من شراء أجهزة جديدة.

ويشير النحال لـ"الاستقلال" إلى ارتفاع أسعار قطع الغيار وصعوبة الحصول عليها، موضحًا أن بعض القطع يجري الحصول عليها من أجهزة قديمة أو متضررة وإعادة استخدامها في إصلاح أجهزة أخرى.

ويقول إن عدم توفر بعض القطع يجعل إصلاح الأجهزة أكثر صعوبة أو تكلفة، ما يدفع أصحابها إلى إطالة عمر أجهزتهم بدل استبدالها.

الأسعار تؤجل الشراء

ويرصد أحمد المدهون، صاحب أحد محال بيع الأجهزة الإلكترونية، تغيرًا في سلوك الزبائن مقارنة بما كان عليه السوق قبل الحرب.

ويقول لـ"الاستقلال" إن كثيرًا من الزبائن يسألون عن الأسعار أولًا، ثم يعيدون حساباتهم وفق قدرتهم المالية، ويتجه بعضهم إلى الأجهزة المستعملة أو يواصلون استخدام أجهزتهم القديمة بدل شراء أخرى جديدة.

ويشير المدهون إلى أن صعوبة إدخال الأجهزة ومستلزماتها إلى القطاع انعكست على أسعارها، لتصبح بعض الأجهزة التي كانت في متناول شرائح واسعة أكثر كلفة، فيما لم تعد المشكلة في الرغبة بالشراء بقدر ما أصبحت في القدرة على دفع الثمن.

قدرة شرائية تتراجع

ويرى الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أن ارتفاع أسعار الأجهزة وصعوبة توفيرها وقطع غيارها يؤثران في قدرة السكان على الاستفادة من الخدمات الرقمية، في ظل القيود المفروضة على إدخال السلع وتراجع القدرة الشرائية.

ويوضح أبو قمر لـ"الاستقلال" أن الاقتصاد الرقمي يحتاج أولًا إلى الوسيلة التي تتيح للمواطن استخدامه، سواء كان هاتفًا محمولًا أو حاسوبًا، إلى جانب توفر الاتصالات والإنترنت والكهرباء.

ويشير إلى أن نقص هذه الأدوات والبنية التحتية يجعل الوصول إلى اقتصاد رقمي متكامل أكثر صعوبة، خصوصًا مع محدودية القدرة على توفير الأجهزة ومستلزماتها.

ويضيف أبو قمر أن الأزمة دفعت إلى الاعتماد بصورة أكبر على الأجهزة القديمة وقطعها، بما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الركام"»، من خلال استخراج مكونات إلكترونية من أجهزة متضررة أو قديمة وإعادة استخدامها في إصلاح أجهزة أخرى.

ويرى أن استمرار التحول نحو الدفع الإلكتروني والشمول المالي يحتاج إلى توفير الوسائل التقنية والبنية التحتية اللازمة، لأن ارتفاع أسعار الأجهزة وقطع الغيار يوسع الفجوة بين الخدمات الرقمية المتاحة وقدرة السكان على استخدامها.

التعليقات : 0

إضافة تعليق