غزة/ خالد داود:
بين خيام النزوح وركام المباني، يجلس عشرات الأطفال متسمّرين أمام شاشة بيضاء صغيرة تعرض أفلامًا كرتونية وصورًا متحركة، فيما يقوم متطوعون بالرسم على وجوههم، وتنظيم الدبكة والأنشطة الترفيهية.
تنساب أضواء جهاز العرض على وجوه الأطفال، فتضيء عيونًا صغيرة تتابع بشغف ما يحدث على الشاشة. يجلسون متقاربين؛ بعضهم على الأرض، وآخرون فوق ركام منازل دمرتها الغارات الإسرائيلية خلال الحرب، فيما تتعالى ضحكاتهم بين جنبات المكان كلما ظهر مشهد طريف في الفيلم.
للحظات، يبدو المكان كأنه قاعة سينما حقيقية؛ أطفال يتابعون الحكاية، ويضحكون، ويتبادلون التعليقات، وكأن تلك الشاشة الصغيرة سرقتهم لبعض الوقت إلى عالم لا يشبه الخيام ولا الركام ولا أصوات القصف، ولا ما خلفته الحرب في داخلهم من خوف وفقدان ونزوح.
ويأتي ذلك ضمن أنشطة "سينما الأجنحة الصغيرة"، وهي مبادرة سينمائية متنقلة تسعى إلى الوصول إلى الأطفال في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء بمناطق مختلفة من قطاع غزة، في محاولة لمنحهم مساحة للخيال واللعب والفرح وسط ظروف الحرب والنزوح.
سينما متنقلة
ولا ينتظر القائمون على مبادرة "سينما الأجنحة الصغيرة" وجود قاعات سينمائية مجهزة؛ بل يحملون أجهزة العرض والشاشة ويتنقلون بين مخيمات النزوح حيث يوجد الأطفال، وتشمل الفعاليات عرض أفلام كرتونية مدبلجة، إلى جانب الأغاني والأنشطة الترفيهية المصاحبة.
وتقول أسماء دبابش، إحدى كوادر مشروع غزة السينمائي الدولي للأطفال، إن العروض تقام في شمال القطاع وجنوبه، وإن الهدف لا يقتصر على مشاهدة فيلم، وإنما يتمثل في محاولة نقل الأطفال، ولو مؤقتًا، من أجواء الخوف والحزن جراء ما مروا به خلال الحرب، إلى مساحة من الفرح والترفيه.
وتأتي المبادرة ضمن "مهرجانات الأمل – غزة 2026"، وامتدادًا لتجربة مهرجان سينما أطفال غزة الذي أقيم في نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول 2025. ويهدف المشروع، وفق القائمين عليه، إلى توسيع نطاق العروض والوصول إلى أكثر من نصف مليون طفل خلال عام 2026.
وتلفت دبابش إلى أن إقامة عرض سينمائي متنقل في غزة ليست بالمهمة السهلة؛ فالفريق يواجه صعوبات في التنقل بين المناطق، فضلًا عن الحاجة إلى توفير الكهرباء لتشغيل جهاز العرض والمعدات، في ظل أزمة الطاقة والظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها القطاع.
وتؤكد أن المبادرة، رغم ذلك، تستمر في الانتقال من مكان إلى آخر، حاملة معها شاشة وأفلامًا وأنشطة بسيطة، لكنها تمثل بالنسبة إلى الأطفال فرصة للابتعاد بعض الوقت عن واقع ثقيل فرضته الحرب.
وتوضح أن الفعاليات لا تقتصر على السينما، وإنما تشمل العديد من الأنشطة الترفيهية، مثل عروض الدبكة والرسم والألعاب، في محاولة لإعادة بعض مظاهر الحياة الطبيعية التي افتقدها الأطفال خلال سنوات الحرب والنزوح.
جناحان من الخيال والأمل
وبحسب دبابش، فإن اسم المبادرة "سينما الأجنحة الصغيرة" يحمل دلالة رمزية واضحة، مشيرة إلى أنه اختير انطلاقًا من الإيمان بأن لكل طفل جناحين من الخيال والأمل، وأن مهمة المبادرة هي منح هذين الجناحين فرصة للتحليق بالأطفال نحو مساحة من الأمل والفرح والخيال، رغم الظروف القاسية.
وتضيف أن أطفال غزة حُرموا من عيش طفولتهم وقضاء وقتهم في اللعب واللهو والترفيه والتعليم ومشاهدة الأفلام الكرتونية، كما يفعل أطفال العالم، وأن هذه العروض تحاول تعويض ولو جزءًا بسيطًا مما فقدوه وحُرموا منه طوال الحرب، وإخراجهم لبعض الوقت "من أجواء الخوف والدمار إلى أجواء الفرح".
وتصف دبابش لحظة استقبال الأطفال للعرض السينمائي، قائلة: "نرى الدهشة والفرح في عيون الأطفال لحظة وصولنا ورؤيتهم شاشة العرض، ويبدأون بطرح أسئلتهم علينا: شو بدكم تعرضوا؟ متى رح ترجعوا؟ كل يوم بدنا عرض هيك".
وتنظر مؤسسة رشيد مشهراوي الثقافية، المرتبطة بالمشروع، إلى السينما باعتبارها أكثر من وسيلة للترفيه؛ فهي مساحة للتعبير واللعب والخيال، ومحاولة لتوفير دعم نفسي واجتماعي للأطفال الذين يعيشون في بيئات النزوح.
استهداف ممنهج للأطفال
وتأتي هذه المبادرات في وقت دفع فيه أطفال غزة واحدًا من أثقل أثمان الحرب، إذ تشير معطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة خلّف عشرات آلاف الشهداء، بينهم أكثر من 21 ألفًا و283 طفلًا، بما يشكل نحو 30% من إجمالي الضحايا.
ووفق المعطيات، استشهد أكثر من 450 رضيعًا، و1029 طفلًا لم يتموا عامهم الأول، إضافة إلى 5031 طفلًا دون سن الخامسة.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدأت إسرائيل، بدعم أمريكي، حربها على قطاع غزة، والتي خلفت دمارًا هائلًا طال معظم البنية العمرانية والمدنية، فيما قدرت الأمم المتحدة احتياجات إعادة الإعمار بعشرات مليارات الدولارات.
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تشير بيانات وزارة الصحة في القطاع إلى استشهاد أكثر من 1350 فلسطينيًا وإصابة نحو 4500 آخرين.
وأوضح الجهاز المركزي للإحصاء أن تداعيات الحرب على الأطفال لم تقتصر على القصف، إذ توفي 157 طفلًا بسبب الجوع، فيما قضى 25 آخرون نتيجة البرد في خيام النازحين
وبشأن الآثار الجسدية للحرب، تشير المعطيات إلى أن 10 آلاف و500 طفل يعانون إصابات غيّرت مجرى حياتهم، بينهم أكثر من ألف حالة بتر للأطراف، وسط انهيار المنظومة الصحية ونقص حاد في الأجهزة والمستلزمات المساعدة، في حين يواجه نحو 4 آلاف طفل خطر الموت ما لم يُؤمَّن لهم إجلاء طبي عاجل.
كما تشير المعطيات إلى أن نحو 58 ألف طفل في قطاع غزة فقدوا أحد والديهم أو كليهما نتيجة الحرب.
ومع نهاية العرض، لا يمكن لشاشة صغيرة أن تغيّر واقع غزة، ولا أن تمحو آثار الحرب من ذاكرة الأطفال، لكنها تستطيع أن تمنحهم لحظة مختلفة؛ لحظة مؤقتة لا يكون فيها الطفل متلقيًا للخوف، بل مشاهدًا لحكاية كرتونية، أو مشاركًا في أغنية، أو طفلًا يضحك بين أقرانه.
ومن بين الخيام والركام، تبدو "سينما الأجنحة الصغيرة" محاولة لاستعادة شيء أساسي من الطفولة: الحق في أن يحلم الطفل، وأن يضحك، وأن يعيش طفولته، وأن يرى العالم للحظات من خلال شاشة لا تعرض الحرب، بل تعرض إمكانية أن يكون هناك عالم آخر.


التعليقات : 0