غزة/ آية عبد العال:
لم تعد الغسالة والثلاجة في قطاع غزة مجرد أجهزة منزلية تختصر أعمال الغسيل وتحفظ الطعام، بل تحولت بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب والنزوح إلى احتياجات يصعب على كثير من النساء توفيرها، بعدما كانت من أبسط محتويات البيوت قبل الحرب.
ومع تدمير المنازل وفقدان الأسر لممتلكاتها، وارتفاع أسعار الأجهزة وتراجع القدرة الشرائية، وجدت نساء نازحات أنفسهن أمام أعمال منزلية كانت الأجهزة تنجز جانبًا منها، فيما فرض غياب الثلاجات طرقًا مختلفة لشراء الطعام وحفظه، في ظل شح المياه وأزمة الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة.
وبين الغسيل اليدوي لساعات، وشراء كميات محدودة من الطعام خشية تلفها، تحولت أجهزة كانت متاحة في الحياة اليومية إلى حلم تستعيد به الغزيات جزءًا من الراحة والاستقرار اللذين فقدتهما الحرب.
عبء إضافي
بجسد منهك، تجلس النازحة أماني الشرافي (40 عامًا)، زوجة أسير وأم لثلاثة أبناء، أمام كومة من الملابس، وإلى جوارها جرادل وأوعية مياه، تغمر فيها القطع وتفركها بيديها، ثم تعصرها وتضعها جانبًا قبل الانتقال إلى أخرى.
وتقول الشرافي لـ"الاستقلال" إنها منذ قرابة ثلاثة أعوام تغسل ملابس أسرتها يدويًا بعدما فقدت غسالتها نتيجة تدمير بيتها، في مهمة تتكرر يوميًا.
وتوضح أن عبء الغسيل يرتبط بتوفير المياه؛ إذ تنتظر شاحنات المياه التي تزود مخيمها بالماء لتأمين الكمية اللازمة للغسيل، إلى جانب احتياجات الشرب والطهي والتنظيف.
وتشير إلى أن قلة الأوعية التي تملكها تحد من كمية المياه التي تستطيع تخزينها، ما يضطرها أحيانًا إلى انتظار شاحنة أخرى لاستكمال احتياجات أسرتها.
ساعات أمام الغسيل
وتقضي سمر العاصي (30 عامًا)، وهي أم لأربعة أطفال، أكثر من ثلاث ساعات يوميًا في غسل الملابس وفركها وعصرها ثم نشرها.
وتقول لـ"الاستقلال" إن أطفالها يلعبون في مخيم النزوح بالرمل باستمرار، ما يجعل غسل ملابسهم حاجة يومية، خصوصًا أنها لم تتمكن بعد فقدان منزلها وممتلكاتها من توفير ملابس كافية لهم.
وتوضح أنه في إحدى المرات، عندما اشتد عليها التعب، أرسلت الملابس إلى جارة لديها مشروع لغسل الملابس، فبلغت الكلفة 15 شيكلًا، وهو مبلغ تفضّل توفيره لاحتياجات طفلها الذي لم يتجاوز عامه الثاني.
وتضيف أن زوجها عاطل عن العمل، وأن توفير الطعام والحليب والحفاظات يأتي على رأس أولويات الأسرة، لذلك تفضّل تحمل مشقة الغسيل اليدوي على دفع تكاليف غسله.
غسالة رغم الغلاء
ولم تتمكن الحاجة أم خالد المبحوح (60 عامًا)، وهي أم لخمسة أبناء، من مواصلة الغسيل اليدوي بسبب آلام في غضروف ظهرها، ما دفع أبناءها إلى شراء غسالة لها.
وتوضح أن عائلتها اضطرت إلى شراء غسالة مستعملة بـ3000 شيكل، أي قرابة ضعف سعرها قبل الحرب، فيما تحتاج إلى توفير خط كهرباء لتشغيلها، ما يضيف كلفة أخرى على الأسرة.
الماء البارد أصبح حلمًا
أما إيمان الغندور، النازحة التي تعيش في خيمة، فتفتقد ثلاجتها التي كانت تستخدمها لحفظ الطعام وتبريد المياه.
وتوضح أن المياه تصبح ساخنة داخل الخيمة في ساعات الحر، فتضطر أحيانًا إلى دفع المال لدى بائع تتوفر لديه ثلاجة وكهرباء لتبريد الماء أو العصير لأطفالها.
وتقول الغندور لـ«الاستقلال» إنها لا تستطيع تحمل كلفة التبريد يوميًا، كما لم تعد قادرة على شراء احتياجات أسرتها لأيام عدة كما كانت تفعل قبل الحرب، خشية فساد الطعام والخضار.
وتضيف أن بُعد السوق عن مكان نزوحها يحمّلها كلفة مواصلات إضافية، إذ تذهب إليه كل يوم أو يومين لشراء كميات محدودة، بعدما كانت تتسوق لعدة أيام وتحفظ احتياجاتها داخل الثلاجة.
سوق منهار
ويقول محمد الأخرس، صاحب محل لبيع الأجهزة الكهربائية، إن سوق الأجهزة الكهربائية في قطاع غزة شهد انهيارًا خلال الحرب، نتيجة تدمير المنازل، وانقطاع الكهرباء، وظروف النزوح، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
ويوضح لـ" الاستقلال" أن الأسر باتت تعطي الأولوية لمتطلبات النزوح، مثل السكن والإيجار والخيام، فيما أدى منع إدخال الأجهزة الكهربائية إلى القطاع إلى نقص المعروض منها وارتفاع أسعارها.
ويشير الأخرس إلى أن ارتفاع الأسعار طال الأجهزة الجديدة والمستعملة على حد سواء، فيما جعل شح قطع الغيار وارتفاع كلفة إصلاح الأجهزة المتضررة إعادة تشغيل الأجهزة الموجودة لدى الأسر أمرًا مكلفًا.
ويبيّن أن بعض المشترين يقبلون على الأجهزة حاليًا فقط إذا توفرت لديهم إمكانية لتشغيلها، سواء عبر المولدات أو الطاقة الشمسية، بينما يتجه آخرون إلى استخدامها في مشاريع توفر دخلًا، مثل تبريد العصائر والمياه والمشروبات أو غسل الملابس.
كلفة التشغيل
ويرى أحمد أبو قمر، الخبير الاقتصادي، أن ارتفاع كلفة تشغيل الأجهزة يمثل عبئًا إضافيًا على الأسر، موضحًا أن سعر الكيلوواط/ساعة من الكهرباء ارتفع من نحو نصف شيكل قبل الحرب إلى نحو 33 شيكلًا حاليًا، ما جعل تشغيل الغسالات والثلاجات وغيرها من الأجهزة أكثر صعوبة.
ويبيّن أن تجاوز معدلات البطالة 80% والفقر 90%، إلى جانب انخفاض دخول الأسر، دفعها إلى إعادة ترتيب إنفاقها وفق الأولويات، وتقديم الغذاء والمياه والإيواء وغيرها من الاحتياجات الأكثر إلحاحًا على شراء الأجهزة المنزلية.
ويؤكد أبو قمر أن هذه المفاضلة تكشف حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الأسر، إذ باتت مضطرة إلى التخلي عن احتياجات كانت تعد من أساسيات المنزل لصالح متطلبات المعيشة الأكثر إلحاحًا


التعليقات : 0