غزة/ سماح المبحوح:
لا تزال قوات الاحتلال الإسرائيلي تفرض حصارًا مشددًا على مخيم شعفاط وبلدة عناتا شمال شرقي القدس المحتلة، لليوم الخامس على التوالي، وسط انتشار عسكري كثيف وإغلاق للمداخل وتشديد القيود على حركة السكان، بالتزامن مع عمليات دهم وتفتيش للمنازل والمحال والمنشآت، واستهداف للبنية التحتية.
ومنذ منتصف ليلة الثلاثاء الماضي، دفع جيش الاحتلال بتعزيزات عسكرية إلى المخيم والبلدة، رافقتها جرافات وآليات ثقيلة، وأعلن بدء ما وصفها بـ"عملية عسكرية مركزة"، مدعيًا أنها تهدف إلى إحباط أنشطة فلسطينية وحيازة الأسلحة والاتجار بها.
وقال جيش الاحتلال، في بيان، إن قواته ستنفذ في شعفاط وعناتا إجراءات مماثلة لما نفذته في مخيمات أخرى بالضفة الغربية، زاعمًا وجود نشاط لمجموعات فلسطينية في المنطقة.
وعلى الأرض، اقتحمت القوات الإسرائيلية البلدة والمخيم وانتشرت بكثافة في الشوارع والأحياء، قبل أن تغلق المداخل وتمنع السكان من الدخول أو الخروج، فيما شرعت في دهم المنازل والمحال التجارية والممتلكات الخاصة وتفتيشها، وخلعت أبواب عدد من المنشآت وألحقت أضرارًا بمحتوياتها.
وفي عناتا، طالت أعمال الجرافات خطوط مياه رئيسية، ما يهدد بتعطيل إمدادات المياه والخدمات الأساسية، ويضاعف الأعباء المعيشية على السكان، بالتزامن مع استمرار عمليات المداهمة والتفتيش في مخيم شعفاط.
ويثير هذا التصعيد مخاوف من تحول العملية العسكرية إلى حصار طويل الأمد، على غرار ما تشهده مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس منذ مطلع عام 2025، حيث أسفرت العمليات العسكرية الإسرائيلية عن هدم مئات المنازل وتهجير أكثر من 33 ألف فلسطيني، وفق معطيات فلسطينية.
ويتزامن ذلك مع تصعيد إسرائيلي ضد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، التي تتولى تقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين، بعد حظر نشاطها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وصولًا إلى إجراءات استهدفت مقراتها في القدس، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية في المخيمات الفلسطينية.
عدوان ممنهج
ويرى المتحدث باسم محافظة القدس، الدكتور معروف الرفاعي، أن ما يجري في مخيم شعفاط وبلدة عناتا يمثل "عدوانًا عسكريًا ممنهجًا"، على غرار العملية التي نفذتها قوات الاحتلال في مخيم قلنديا شمال القدس مطلع آب/أغسطس الماضي.
ويقول الرفاعي، في حديث لـ"الاستقلال"، إن العملية تأتي في سياق محاولة إسرائيلية لفرض مشروع الضم وتوسيع ما تعرف بحدود بلدية القدس، بالتزامن مع الاستعدادات للانتخابات المزمعة في تشرين الأول/أكتوبر المقبل، بما يهدف، وفق تقديره، إلى تغيير الواقع الإداري والديموغرافي للقدس، إلى جانب ضرب نموذج المخيمات الفلسطينية.
ويعتبر أن الذرائع الأمنية التي يسوقها الاحتلال لتبرير العملية "واهية"، مشيرًا إلى أن الحكومة الإسرائيلية تستخدم ذرائع مختلفة لتنفيذ عمليات عسكرية في هذه المناطق لأهداف سياسية تتجاوز ما تعلنه من مبررات أمنية.
ويحذر الرفاعي من أن استمرار العملية قد يقود إلى تصعيد خطير وفرض عقوبات جماعية تطال عشرات آلاف السكان وحقوقهم الأساسية، موضحًا أن إغلاق المداخل وتقييد الحركة ودهم المنازل والمحال واعتقال المواطنين، إلى جانب استهداف البنية التحتية وخطوط المياه، كلها إجراءات تضغط على الحياة اليومية للسكان المدنيين.
ويخشى أن تمتد العملية في عناتا وشعفاط لأيام أو أشهر، كما حدث في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، التي دخلت عمليتها العسكرية عامها الثاني.
تفتيت الجغرافيا والديمغرافيا
ويرى المحلل والكاتب السياسي عادل شديد أن ما يجري في مخيم شعفاط وبلدة عناتا يندرج ضمن النهج ذاته الذي اتبعته "إسرائيل" في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، معتبرًا أن الهدف يتجاوز الملاحقة الأمنية إلى إعادة تشكيل التجمعات الفلسطينية ومحو المخيمات بوصفها عنوانًا لقضية اللجوء الفلسطيني.
ويقول شديد، في حديث لـ"الاستقلال"، إن الاحتلال يسعى من خلال هذه العمليات إلى إزالة التجمعات الفلسطينية التي تعيق، من وجهة نظره، ربط المستوطنات ببعضها، وإنتاج تجمعات فلسطينية "متقطعة الأوصال" ومحاطة بالمستوطنات والجيش الإسرائيلي.
ويضيف أن السياسة الإسرائيلية تستهدف، وفق تقديره، تفتيت الجغرافيا والديمغرافيا ووحدة السكان والحياة السياسية والاقتصادية الفلسطينية، وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى "بقع في بحر من السيطرة الإسرائيلية"، من خلال تغيير طبيعتها الجغرافية والديموغرافية.
ويشير إلى أن استهداف المخيمات ليس هدفًا جديدًا، لكنه اكتسب زخمًا خلال السنوات الأخيرة تحت مبررات إسرائيلية تزعم تحولها إلى "معاقل" للفصائل الفلسطينية المسلحة.
ويحذر شديد من أن نجاح الاحتلال في تحقيق أهدافه في بعض المخيمات والتجمعات قد يشجعه على توسيع عملياته العسكرية لتشمل مناطق فلسطينية أخرى.
عناتا.. بلدة محاصرة
تخضع أجزاء واسعة من أراضي بلدة عناتا للسيطرة الإسرائيلية، سواء لوقوعها ضمن حدود بلدية القدس التي أقامها الاحتلال، أو لتصنيفها ضمن المنطقة "ج" وفق اتفاق أوسلو، فيما تتبع أجزاء محدودة منها إداريًا للسلطة الفلسطينية.
ووفق إحصاءات عام 2025، يبلغ عدد سكان عناتا نحو 30 ألف نسمة، بينهم قرابة 13 ألف مقدسي يحملون الهوية الزرقاء، التي تمنحها سلطات الاحتلال للفلسطينيين المقيمين داخل حدود القدس المحتلة بوصفهم مقيمين دائمين وليسوا مواطنين.
يقع مخيم شعفاط على بعد نحو خمسة كيلومترات شمال مدينة القدس، بين بلدتي شعفاط وعناتا، ويحيط به الجدار الفاصل والمستوطنات، فيما تفصله الحواجز والجدران عن مركز المدينة.
وتأسس المخيم عام 1965 على مساحة تقدر بنحو 200 دونم، وأصبح لاحقًا محاطًا بالجدار الفاصل، رغم وقوع أراضيه ضمن حدود بلدية الاحتلال في القدس.
ويقطن المخيم، إلى جانب أحياء رأس خميس ورأس شحادة وضاحية السلام، أكثر من 70 ألف نسمة، تعود أصولهم إلى عشرات القرى والبلدات في مناطق القدس واللد والرملة ويافا، ممن هُجّروا منها إبان نكبة عام 1948، ويحمل سكان المخيم والأحياء المحيطة به الهوية الزرقاء.
ويعاني المخيم والأحياء الملاصقة له من تدهور في البنية التحتية ونقص في إمدادات المياه وشبكات الصرف الصحي والطرق، فضلًا عن محدودية المساحات العامة والملاعب ونقص الغرف الصفية


التعليقات : 0