غزة/ آية عبد العال:
من صناديق البضائع إلى غرف النوم والطاولات وأرفف المحال، تحولت أخشاب "المشاطيح" في قطاع غزة إلى مادة لصناعة احتياجات يومية، بعدما دفعت الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 السكان إلى البحث عن بدائل للأخشاب والمواد التي شحّت وارتفعت أسعارها.
ومع تدمير المنازل وتراجع القدرة الشرائية وصعوبة توفر الأخشاب الجديدة، اتجه مواطنون إلى شراء الصناديق الخشبية المستعملة وإعادة تفكيكها وتجهيزها لصناعة الأثاث وتجهيز المحال وبعض أثاث المدارس، بينما عادت ورش نجارة للعمل بإمكانات محدودة لتلبية هذه الحاجة.
ورغم اعتمادها على مواد مستعملة، لا تبدو هذه الصناعة منخفضة التكلفة؛ إذ تتداخل في أسعار منتجاتها كلفة التفكيك والتصنيع وأجور العمال والكهرباء ومستلزمات النجارة، لتصبح "المشاطيح" بديلًا اضطراريًا يوفر بعض احتياجات الغزيين.
استفادة رغم شح البدائل
يستعد الشاب خالد شاهين (27 عامًا) للزواج، ويحتاج إلى غرفة نوم وأثاث لمنزله، لكنه لم يجد خيارات كثيرة في ظل ندرة الأثاث الجديد، فلجأ إلى ورشة نجارة تعيد استخدام أخشاب "المشاطيح" في صناعة الأثاث.
ويقول شاهين لـ"الاستقلال" إن الأثاث المصنوع منها لا يوفر مستوى الجودة والتشطيب الذي كانت توفره أنواع الأخشاب الأخرى قبل الحرب، لكنه يبقى الخيار المتاح أمامه، مشيرًا إلى أن أسعاره مرتفعة مقارنة بمستوى جودته، إلا أن غياب البدائل يدفع المواطنين إلى شرائه.
أما محمد العقاد (60 عامًا)، فلجأ إلى الأخشاب نفسها في إغلاق أجزاء من منزله المتضررة، عبر تثبيت الألواح الخشبية إلى جانب بعضها وتغطيتها بالشوادر، كما استخدمها في صناعة مطبخ لأسرته من خلال رفوف بديلة عن رخام المطبخ المدمر، وفي صنع سرير لوالدته المسنة التي لا تستطيع النوم على الفراش الأرضي.
ويقول العقاد لـ"الاستقلال" إنه عندما عاد إلى منزله بعد النزوح عقب الهدنة، وجده مفرغًا من الجدران، ومع وجود أحفاد صغار لديه، وضع ألواح "المشاطيح" لتوفير حماية لهم، بعدما تعذر عليه شراء الحجارة والإسمنت، لعدم توفرهما، وإن توفرا فبأسعار لا يستطيع تحملها.
ولم يقتصر استخدام هذه الأخشاب على المنازل، إذ لجأ الصيدلي محمد أبو سمرة إلى استخدامها في تجهيز صيدليته الجديدة، بعد تدمير الصيدلية التي كان يعمل بها قبل الحرب، فصنع منها الرفوف المخصصة لعرض الأدوية والمكتب.
ويقول أبو سمرة: إن الأخشاب المستخدمة يمكن أن تؤدي الغرض نفسه الذي تؤديه الأخشاب الجديدة، وإن كانت الأخيرة تمنح شكلًا أفضل، لكن الفارق الكبير في السعر يدفع أصحاب المحال إلى اختيار الأخشاب المستعملة.
كما استخدم ماجد الأسطل، صاحب استراحة وكافتيريا الأمير، أخشاب "المشاطيح" في صناعة كراسٍ وطاولات بأحجام مختلفة، لتوفير أماكن للجلوس بدلًا من الكراسي البلاستيكية التي يصعب الحصول عليها حاليًا بسبب ارتفاع أسعارها.
ورش تواجه ارتفاع الكلفة
ويقول النجار خليل زيادة، صاحب منجرة "المعلم"، إن طلب المواطنين المتزايد على الأثاث المصنوع من الأخشاب المستعملة دفعته، إلى جانب عدد من أصحاب الورش، إلى استئناف العمل، رغم محدودية الإمكانات وتهالك الأدوات وقدم المعدات وارتفاع أسعار ما يتوفر منها، ما ينعكس على تكلفة التصنيع النهائية.
ويوضح زيادة لـ"الاستقلال" أن العمل يبدأ بتفكيك صناديق البضائع واستخراج الألواح الخشبية منها، لافتًا إلى أن بعضها يتعرض للكسر أثناء التفكيك ولا يصلح لصناعة الأثاث، فيبيعه بالكيلو للمواطنين لاستخدامه في إشعال النار للطهي.
ويشير إلى أن ندرة المسامير والبراغي وزوايا التجميع والطلاء، وارتفاع أسعارها نتيجة القيود المفروضة على إدخالها إلى القطاع، يرفع كلفة التصنيع رغم الاعتماد على أخشاب مستعملة.
ويؤكد زيادة أن سعر القطعة لا يرتبط بسعر الخشب وحده، بل يشمل تكاليف تجهيز المادة الخام وتصنيعها، إلى جانب الكهرباء التي توفرها المولدات وأجور العمال ومستلزمات التشغيل.
ويضيف أن الأسر تتجه حاليًا إلى شراء القطع الأكثر حاجة، مثل الأسرة والخزانات وأسرّة الأطفال والطاولات والكراسي، حتى مع محدودية المساحات التي تعيش فيها كثير من العائلات، باعتبارها احتياجات أساسية في ظروف النزوح.
وبحسب زيادة، تتفاوت الأسعار بحسب حجم القطعة وكمية الخشب المستخدم فيها، إذ تصل بعض غرف النوم إلى أكثر من 4000 شيكل، فيما تبلغ أسعار غرف أخرى نحو 2500 شيكل، بينما تتراوح الأسرة المفردة بين 500 و800 شيكل، والكراسي بين 100 و250 شيكلًا، والطاولات بين 250 و400 شيكل.
ويلفت زيادة إلى أن مدارس ومبادرات تعليمية لجأت إلى استخدام أثاث مصنوع من "المشاطيح" بدلًا من جلوس الطلبة على الأرض في بعض أماكن التعليم، لتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات المدرسية إلى حين توفر بدائل أفضل.
اقتصاد الضرورة والندرة
ويرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن لجوء الغزيين إلى استخدام أخشاب "المشاطيح" يعكس ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الضرورة"، إذ يحاول المواطنون تدبير احتياجاتهم من المواد المتاحة وإعادة استخدامها في ظل شح المواد الخام وصعوبة إدخالها وارتفاع أسعارها.
ويضيف أن انتشار هذه البدائل يعكس قدرة المواطنين والصناعيين في قطاع غزة على التكيف مع شح المواد وخلق بدائل لتلبية الاحتياجات، حتى عندما تكون تكلفة هذه البدائل مرتفعة، في ظل سوق تتحكم فيه الندرة وترفع الأسعار.
"المشاطيح" في غزة.. بديل اضطراري لاحتياجات الغزيين وسط شح الأخشاب
تقارير وحوارات


التعليقات : 0