خلال حفل اختلطت فيه الدموع بالذكريات

غزة تكرّم 215 حافظاً وحافظة لكتاب الله برعاية جمعية (اقرأ الخيرية)

غزة تكرّم 215 حافظاً وحافظة لكتاب الله برعاية جمعية (اقرأ الخيرية)
محليات

غزة/أنس أبو عقلين:
في مشهدٍ يمتزج فيه ألم الفقد ببريق الأمل، وتحت ظلال الخيام التي أضحت ملاذاً ومصلياً، شهدت منطقة مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، الإثنين 14/9، حفل تكريم 215 حافظاً وحافظة لكتاب الله تعالى، ضمن مخيمات "جيل الوحي القرآني"، الذي نظمه "اتحاد حياة غزة" برعاية ودعم من جمعية "اقرأ الخيرية" ومؤسسة "كارد"، وجمعية "حراء".

وحضر الحفل القرآني الكبير، ممثلون عن وزارة الأوقاف وجمعية اقرأ الخيرية وأئمة وخطباء المساجد، وجمع غفير من الوجهاء والأعيان وأهالي الحافظين والحافظات، والنازحين في مخيمات جنوب القطاع.

سطرنا المصحف بالدناء
مدير دائرة القرآن الكريم في جمعية اقرأ الخيرية، احمد القيوم ،استعرض في كلمة له أمام الحفل، حجم المعاناة والظروف الاستثنائية التي وُلد من رحمها هذا الإنجاز، مضيفا: لقد سطّرنا المصحف بالدماء وطاردنا النور في قلب الظلماء، إنه لشرف عظيم أن نلتقي بكم لنحتفي بتخريج كوكبة وثلة من 215 حافظاً وحافظة لكتاب الله، أتموا حفظه في مخيمات 'جيل الوحي القرآني' التي انطلقت قبل شهرين من قلب مراكز الإيواء وشبكات النزوح".

وتابع " بين الخيام صُنعت الحكاية، وتحت الطلقات الطائشة المحاذية للخط الأصفر واصل أشبالنا وزهراتنا الحفظ والإتقان، فارتقى في هذه المسيرة ثلة من المحفظين والمحفظات في حرب الإبادة، وظن الاحتلال أنه بدك المساجد وحرق المصاحف سينهي المسيرة، لكن العزيمة كانت حاضرة، أنشأنا المصليات وافتتحنا الحلقات رغم أزيز الرصاص وركام الدمار."
وتوقف البيوك بنبرة حزينة اعتصرت قلوب الحاضرين عند قصة الطفلة الشهيدة صبا الحشاش، قائلاً: "ارتقت في هذه المخيمات زهرة من زهرات فلسطين، الطفلة 'صبا الحشاش'، التي فاضت روحها إلى بارئها شاهدة على ظلم الاحتلال؛ حيث ارتقت على الأرض وهي تتشبث بالمصحف بطلائع يديها الصغيرتين.. إنها صورة تختصر عنجهية هذا المحتل الذي لا يفرق بين طفل وشاب، لكن رسالتنا له: خبت وخسرت، فالقرآن لن يُنزع من صدورنا إطلاقاً."

رسالة غزة للعالم
وبارك محمد سالم، المدير في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، تكريم حفظة كتاب الله، ليضيف بالقول: لله دركم يا أهل القرآن.. نلتقي اليوم بدعوة كريمة من جمعية اقراءوبحضور هذا الجمع العلمائي والأعيان لنقدم رسالتنا للعالم: هذه هي غزة، بينما تتنزل عليها حمم الموت، كان أبناؤها وبناتها يعتكفون على حفظ كتاب الله".
وزاد سالم بالقول: إن هذا النجاح لأكثر من مائتي حافظ وحافظة لم يكن وليد شهرين، بل نتاج سنين الحرب، ورسالة بأن شعب غزة يحب الحياة ويرسم طريقها بإرادته" مرسلا التهاني للحفظة وآبائهم وأمهاتهم.

جيل القرآن لا يُهزم
وفي كلمة له، أكد الدكتور صالح الكاشف، مدير مؤسسة "كارد"، أن ما يتحقق على أرض غزة هو معجزة ثبات وتكامل مؤسساتي.
وقال د. الكاشف : من قال إن غزة تُهزم وفي صدور أبنائها كتاب الله سبحانه وتعالى؟ إن هذا العطاء العظيم لم يكن ليتحقق لولا فضل الله أولاً وآخراً، ثم هذا التكامل المبارك بين المؤسسات الشريكة".

وتوجه بالشكر والامتنان لجمعية اقراء الخيرية التي بذلت الجهود وذللت الصعاب ليخرج هذا النور من قلب الظلماء، وللمحفظين والمحفظات والمشرفين، الجنود المجهولين الذين واصلوا الليل بالنهار ليصل الحفاظ إلى هذه اللحظة المشهودة.
قصص تكتبها الدموع
وجسّد الحفل جانب إنسانياً مؤلماً، حيث امتزجت الفرحة بالحزن الشديد والدموع التي لم تتوقف أثناء إلقاء الشهادات الحية من قلب الحرب.
الحافظة لكتاب الله وفاء العطار، الناجية الوحيدة من غارة إسرائيلية، التي أهدت ختمتها لعائلتها الشهيدة وقفت تخاطب والدها الشهيد والدموع تخنق صوتها: لم أكن أعلم أني سأكبر يوماً وأحمل حلم أبي وحدي.. في هذه الحرب رحل أبي ورحلت معه عائلتي كلها، ولم يبقَ لي منهم أحد، كنت الناجية الوحيدة"

وزادت تقول: كان يمكن للفقد أن يأخذ مني كل شيء، لكنني تذكرت أبي الذي علمني حب القرآن، وأمي التي كانت سندي وتخبرني أن ما عند الله خير وأبقى، كلما اشتقتُ لأبي فتحتُ المصحف، وكلما شعرت بالوحدة قرأت، واليوم بعد أن التحقت بمخيمات جيل الوحي القرآني، أقف بينكم حافظة لكتاب الله كاملاً، ربما لن تسمعني يا أبي ولن أراك أمامي وأنا أسرد حفظي، لكنني أريدك أن تعرف أن ابنتك أكملت الطريق، وهذه الختمة أهديها إليك وإلى أمي وعائلتي التي رحلت وبقي القرآن يجمعني بهم."
حكاية "صبا وصبا"
وعن فصول الفاجعة داخل الحلقات، روت المحفظة مرفت دهليز حكاية طفلتين جمعتهما حلقة التحفيظ في مواصي خان يونس، صبا نعيم الحشاش وصبا صائب أبو مذكور.

وقالت المحفظة دهليز عن صبا وصبا: في إحدى الحلقات ونحن نجلس نتلو كتاب الله، تعرضنا لإطلاق نار غادر ومباغت من دبابات الاحتلال، وفي لحظة واحدة، ارتقت الطفلة 'صبا نعيم الحشاش' شهيدة، بينما أصيبت رفيقتها 'صبا صائب أبو مذكور' إصابة بالغة أدّت إلى إصابتها بشلل نصفي! صبا وصبا جمعتهما الحلقة، فغدت الأولى شهيدة عند ربها، والباقية صابرة على جراحها تحمل المصحف بنور يقينها."

واختُتم الحفل بتوزيع شهادات التكريم والجوائز على الحفظة والحافظات وسط دموع الفرح والمواساة، وعناق اليتامى والثكالى لمصاحفهم، في مشهد جسّد حقيقة واحدة: أن غزة بالقرآن تحتضر ألمًا.. ولكنها أبدًا لا تموت.

التعليقات : 0

إضافة تعليق