لماذا تخلت الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية؟ بقلم تيسير الغوطي

لماذا تخلت الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية؟     بقلم تيسير الغوطي
أقلام وآراء

 تيسير الغوطي

      المتتبع لموقف الأنظمة العربية من القضية الفلسطينية منذ نشأتها يلحظ وبسهولة أن هذا الموقف مر بأربع مراحل, الأولى مرحلة الحصول على الشرعية بدعم القضية الفلسطينية, ثم مرحلة الحيادية تجاه الصراع مع الكيان الصهيوني ( الرئيس السادات), ثم مرحلة التنكر للعلاقة بالقضية الفلسطينية (نقبل بما يقبل به الفلسطينيون ) , وأخيرا مرحلة التحالف مع الكيان الصهيوني والضغط على الفلسطينيين للتساوق مع رغباته الظالمة, وترجمت تلك المراحل على أرض الواقع بذلك التراجع المخزي من أقصى درجات الاهتمام والتبني للقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني العربي والمسلم في أرضه ومقدساته وكرامته الإنسانية (المرحلة الأولى)، إلى أدنى درجات التخلي عن تلك القضية المصيرية للأمة وشعوبها، لدرجة اعتبار الغاصب المحتل صديقا وحليفا بعد شطبه من قائمة أعداء الأمة.

 

 ففي العام 1948 عندما احتلت العصابات الصهيونية وبمساعدة بريطانيا الجزء الأكبر من فلسطين وأعلنت قيام دولة الكيان الصهيوني ، تقدمت الأنظمة العربية للدفاع عن فلسطين وشعبها، ولم تقتصر على الشجب والاستنكار بل جهزت الجيوش والمقاتلين وجاءت إلى فلسطين من أجل التحرير واستعادتها من أيدي الغاصبين، وفي مطلع الستينات شكلت الأنظمة العربية منظمة التحرير الفلسطينية لتكون قيادة للشعب الفلسطيني وقدمت لها كل أشكال الدعم العسكري والسياسي والمالي والإعلامي ، وبعد حرب 1967 والهزيمة المدوية للعرب أمام الكيان  لم تتراجع الأنظمة العربية عن موقفها تجاه القضية الفلسطينية وكان هذا واضحا في قمة الخرطوم العربية التي عقدت بعد الحرب واشتهرت بلاءاتها  الشهيرة لا صلح ولا اعتراف ولا مفاوضات مع العدو الصهيوني، وطوال تلك السنوات الممتدة من النكبة حتى منتصف العقد السابع من القرن العشرين كان التوصيف الوحيد للكيان الصهيوني أنه العدو الأول والمركزي للأمة العربية، واشتهرت في ذلك خطابات الزعيم المصري جمال عبد الناصر صاحب المقولة الأكثر توصيفا لرغبة الشعوب العربية "ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة".

 

خلال سنوات العقد السابع من القرن الماضي بدأ التغيير يظهر على مواقف الأنظمة العربية من الكيان الصهيوني، حيث بدا التراجع واضحا في هذا الموقف بدءاً  بإمكانية القبول بالكيان الصهيوني أمرا واقعا مغتصبا ومحتلا  لأرض فلسطين، وليتوج ذلك بأول اتفاقية سلام معه واعتراف بوجوده في القلب من الأمة العربي، في أول وأخطر تجاوز لـ لاءات قمة الخرطوم الشهيرة، وليبدأ في الظهور العلني ما كانت تخفيه اللقاءات السرية مع الكيان الصهيوني ، ولتتوالى اتفاقيات السلام مع الكيان الصهيوني.

 

وفي الوقت نفسه عملت الأنظمة العربية على تفتيت الفلسطينيين بتكوين تنظيمات فلسطينية تكون تابعة لهذا النظام أو ذاك، وتستخدم في الصراع الدائر بين تلك الأنظمة بدلا من توحيد الجهد الفلسطيني باتجاه مقاومة الاحتلال وتحرير فلسطين، وصولا لحرب 1982 والقضاء على البنية العسكرية للفلسطينيين وتشتيت قواتهم في المنافي العربية ومن ثم توقف الدعم العسكري العربي عن الفلسطينيين بل وتوقف الدعم المالي للمجهود الحربي ومتطلباته، تلا ذلك الضغط من الأنظمة العربية على القيادة الفلسطينية للانخراط في عملية السلام مع الكيان الصهيوني  وما يتبع ذلك من اعتراف به وباغتصابه لأرض فلسطين ليتوج ذلك بمؤتمر مدريد للسلام في بداية التسعينات من القرن الماضي، حيث شارك الفلسطينيون بمعية الأنظمة العربية التي بدأت بعد ذلك التخلي التدريجي عن الفلسطينيين تاركة إياهم وحدهم في مواجهة الكيان الصهيوني, ليظهر إلى العلن اتفاق أوسلو المشئوم بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني بدون مشاركة عربية, ولكن بمباركة عربية ودعم للقيادة الفلسطينية في هذا التوجه، ولتبدأ مسيرة المفاوضات العبثية بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني، والتي لم تثمر حتى اليوم إلا مزيدا من الضياع للفلسطينيين وتغولا للاستيطان الصهيوني على الأرض الفلسطينية خاصة في مدينة القدس حتى لم يتبق شيء مهم للفلسطينيين، واعترافا فلسطينيا رسميا (وليس شعبيا) للكيان الصهيوني بحقه بأكثر من 80% من أرض فلسطين التاريخية، وأكثر من ذلك تحول جزء مهم من الشعب الفلسطيني كخدم للمشروع الصهيوني ودولته عبر التنسيق الأمني الذي يلاحق المقاومين والمجاهدين الرافضين لكيان الصهيوني والاعتراف باغتصابه لأرض فلسطين, وطوال هذه الفترة كان دور الأنظمة العربية الخفي ممارسة الضغط ومزيد من الضغط ومزيد من الضغط على الفلسطينيين ليتنازلوا ويتساوقوا أكثر مع المطالب الصهيونية، وفي العلن رفع شعار نقبل بما يقبل به الفلسطينيون.

 

 وطوال سنوات المسيرة السلمية كان موقف الأنظمة أنها لن نقبل بالسلام والتطبيع وإقامة العلاقات مع الكيان الصهيوني حتى يتم حل القضية الفلسطينية وينال الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته على الأراضي التي احتلها الصهاينة في حرب 1967، وهو ما ترجم بالمبادرة العربية للسلام التي أقرت بمؤتمر القمة العربية2002 , وحتى هذا الموقف بدا التراجع عنه واضحا للعيان في السنوات الأخيرة بعد ظهور الربيع العربي والانقلاب الذي حصل في المنطقة العربية ، حيث أضحت الأنظمة العربية تعلن عن إمكانية القبول بالكيان الصهيوني والاعتراف به وشطبه من رأس قائمة إعداد الأمة واستبداله بأعداء آخرين، حتى بدون حل القضية الفلسطينية وإقامة دولة للفلسطينيين ونيل حقوقهم الأساسية الإنسانية، وذلك بعد مسيرة طويلة من الممارسة السرية لهذه المفاهيم، والتي ستتوج بحلف عربي صهيوني ضد الأعداء الجدد كما يلوح ذلك من نتائج قمم الرئيس الأمريكي ترامب في المنطقة العربية.

 

 والسؤال لماذا هذا التراجع للأنظمة العربية في موقفها من الكيان الصهيوني؟، لقد قدم بعض المفكرين وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور الشقاقي محاولة للإجابة على هذا التساؤل حينما كان يتحدث بأن الأنظمة العربية لن تخوض مواجهة حقيقية مع الكيان الصهيوني، لأن كلا الطرفين إفراز لمنهج وسياسة واحدة هي السياسة الاستعمارية بكل ما تعنيه من أوجه الصراع مع الأمة الإسلامية، والتي تهدف في نهاية المطاف إلى إدامة تفتيت وتجزئة الأمة الإسلامية من أجل إدامة نهب ثرواتها ومقدراتها لصالح الرجل الغربي الأبيض، في ذلك الوقت ثار الجميع ضد هؤلاء المفكرين حتى من بعض الإسلاميين والوطنيين الفلسطينيين ، لكن الواقع اليوم ومسلسل الأحداث المتسارعة في العلاقة بين بعض الأنظمة العربية والكيان الصهيوني طبعا لصالح الكيان الصهيوني ومشروعه في المنطقة، يؤكد مصداقية وصوابية تلك الأطروحات السابق ذكرها.

 

أمام هذا الواقع الصعب والتراجع المخزي والمذل للأنظمة العربية عن دعم وتبني القضية الفلسطينية لإعادة الحق المغتصب والأرض المسلوبة فإن على أبناء الأمة العربية والإسلامية وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني إعادة توجيه البوصلة نحو القضية الفلسطينية ومقدساتها، وتعرية الأنظمة التي تقف مع أعداء الأمة وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني ورأس الشر في العالم أمريكا، وحشد وتجميع طاقات الأمة (المهدورة هنا وهناك في معارك مصطنعة ومواجهة أعداء وهميين) باتجاه العدو الأول والمركزي للأمة والمتمثل في الكيان الصهيوني, اعتمادا على الشعوب الإسلامية وحسها الإسلامي والوطني وقواه الحية التي ترفض الظلم والاستكبار الصهيوأمريكي, وترفض أن تكون أداة طيعة في يده لتحقيق رغباته وطموحاته وبعيدا عن الأنظمة والزعامات التي كشفت عن وجهها ووجهتها الحقيقية باتجاه التساوق مع الرغبات والتطلعات الصهيونية في المنطقة العربية, لإرضاء الأب الروحي لهم جميعا (أمريكا) للحفاظ على مواقعها وامتيازاتها السلطوية والمالية ، لأن الشعوب الإسلامية وقواها الحية هي فقط التي يمكن أن تقدم الدعم الحقيقي للفلسطينيين من أجل استرداد الحق المغتصب والأرض المسلوبة والمقدسات المدنسة، ولتعود فلسطين جزءا من الأمة محررا ومطهرا من دنس الغاصبين.

 

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق