مرايا

لله درّها من مدينة لا تستكين!... عبد الله الشاعر

لله درّها من مدينة لا تستكين!... عبد الله الشاعر
أقلام وآراء

عبد الله الشاعر

 

لله درُّ غزّةَ كيف استطاعت التعايش مع هذا الحزن اليوميّ دون أن تفقد الأمل، وكيف جدولت سنين حصارها أربعَ ساعات حياة مُفعمة بالموت، وبقية يومٍ لا متّسع فيه لغير الحرّ صيفاً والبرد شتاءً!


كثيرٌ من الشعوب تصوم وتفطر على صوت المدفع، لكن غزّة تمارس كلّ حياتها على إيقاع القصف اليوميّ، وما بين قصفٍ واستراحة راجمات تقتنص غزّةُ هامشاً ضيّقاً للبحث عن الشهداء، وإزالة الركام عن الضحايا، دون أن تكون أصوات المدافع إيذاناً بإمساكٍ أو إيذانا بفطور، فغزّة صائمةٌ منذ سنين، وبالكاد تجد قوتها، لكنه مُغمّسٌ بالحصار والوجع والمؤامرات.

 

لله درّها من عصيّة لا تستكين...يأتيها الموت من كل اتجاه فتُصعّرُ خدّها للذل، وتمضي للحتف عن طيب خاطر ...تَميد بها الدنيا لكنّها تَعَضُّ على جرحها ولا تزحف شبراً من تحت مقاتل!
لكنّ غزة مصدومة من أولئك المحسوبين على الدين وهم يجلدونها كل يوم بألسنةٍ حدادٍ لكي يرضى عنهم المُشغّلون الكبار...مصدومةٌ من هؤلاء الذين يقدمون للأمّة أمثلةً صارخةً عن شيوخ الفتنة والطغيان.
ومصدومةٌ كيف أنّ الدولارات تبيح المحظورات، وتنتج شيوخا من رشاوى.

 

كأن غزة مصلوبة فوق رمال الوقت، وكل الحثالات يتناوبون على جلدها!
مرضاها يصرخون فتغلق العروبة معابرها، وجرحاها يئنّون فيجعل المحيطُ أصابعه في أذنيه ويصرّ ويستكبر استكبارا!

تنام على قلق وتصحو على قلق، لكنها تضمّد جراحها بالصبر، وتربط على قلوب فتيتها باليقين...

 

كلّ المعابر إلى غزّة موصدة، وحدها المؤامرات تتسلّل إليها عبر الجوّ والبرّ والبحر، وصاروخٌ يباغت الأطفال في مدارسهم فيأخذ منهم الروح، ويترك لآبائهم كرّاساتهم الملطّخة بالدم، وشيئاً من أطرافهم المتناثرة على امتداد مسرح الجريمة... آهٍ كم هي ذكيّة تلك الصواريخ الصهيونيّة في اصطياد الأطفال والنساء، وفي تعميم الكارثة على بلادٍ بأكملها!

 

في غزّة كل شيءٍ وله حكاياه المبلّلة بالدموع!...في ذلك البيت المتهالك عائلةٌ تقتات الحزن اليوميّ، وتُغمّسه بالزيت والذكريات، وتحت ذلك البيت المُهدّم تقيم عائلةٌ مكوّنة من خمسة جرحى وثلاثة شهداء ومفقودين وأرملة...ثمّة رجلٌ يحاول جاهدا شرح معاني الحصار لطفلٍ رضيع لم يستطع الربط بين علبة الحليب والحدود المُغلقة، وفي غرفة يُطلّ عليها الموت كلّ وقت، يحاول طبيبٌ تهدئة خواطر مريضٍ ينخر السرطان جسده، وتمنع الدول المجاورة عبوره للعلاج!

 

كل البدهيّات في غزة معقّدة ، وهي المدينة التي تحرس أحلامها من الأخوة والأعداء، وتُخفي ملامحها عن أقرب الأقربين؛ كي لا يشي  بأوجاعها  للشامتين! ...ألم ينجُ أخوها يوسف من الذئب، واغتالته مؤامرة المقرّبين؟

 

عندما صارت النُظم العربيّة كالقطيع في حظيرة ترامب، وبدأت تردّد نشيد ( هَتِكْفا ) انتبذت غزّة من جيرانها مكاناً شرقيّا، واتّخذت من دون الأعراب حجاباً، فتمثّلت لها الكرامة بشراً سويّا، فاحتضنت بندقيّتها، ونزفت أعزّ  دمائها، وقالت إنّي نذرت للرحمن جهاداً، وصموداً عصيّاً.

 

منذ أن بدت للمدن العربيّة سوءاتها وغزّة تخصف عليها من البطولات، وتضخُّ في جسد الأمة معاني الصبر والمجاهدة؛ كي لا تتحوّل الأمّة إلى لعنةٍ تتوارثها الأجيال، وتتوارى من مخازيها الشعوب .

 

تجوع غزّة من الصباح إلى الصباح، وتكسر صيامها بنيّة ورشفة عزّ، وحين يستبدّ بها الجوع تشدّ الحزام على بطنها، وتتحايل على فتيانها الجوعى بِقِدْرٍ تطبخ فيه الحجارة والصمود!

 

ها هي ذي تُلقّن الأعداء درساً في الصبر وعضّ الأصابع، فغزة لا تستلم، حتى وإن لم يبق في كفّها أصابع فلن تستسلم، ويكفي السبابة لتشهد أن لا إله إلا الله، وتشير إلى القتلة  والمتآمرين...غزّة يكفيها إصبع واحدة لتضغط على الزناد، وتحفر في باطن الأرض معابرها نحو الحياة.

 

في شِعْب بني هاشم تحاصر قريش والقبائل أهلَ غزّة، فتجوع المدينة ولا تأكل من شجرة الذلّ، وتدرك كيف أنّ الأعراب أشدّ كفراً ونفاقا، وأن دولة البطش أوهى من بيت العنكبوت!

 

لله درّها من مدينةٍ يجتمع الأحبّة على شواطئها فتفرّقهم القذائف، لكنها لا تغتال أحلامهم بالحياة، وتواصل الإنجاب رغماً عن العُقم العربيّ، وتضرب مع النصر مواعيدها التي لا تخون.




التعليقات : 0

إضافة تعليق