بقلم : حماد صبح
بعد جولة القتال الأخيرة التي دامت يومين بين غزة وإسرائيل ، تفجرت الجدالات على مختلف المستويات السياسية والأمنية والإعلامية في إسرائيل ، وكان في مركزها شعور إسرائيلي شعبي ورسمي بأن الجولة كانت لصالح المقاومة الفلسطينية ، وتخصيصا حماس والجهاد الإسلامي ، وصحا الإسرائيليون على مرارة حقيقة أن الجولة التي اختارت لها قيادتهم اسم " البرق والرماد " ، إيحاء بسرعتها الفائقة ، وأملا في أن تخلف في غزة خرابا ورمادا ، أشاعت بدل الخراب والرماد الهلع في نفوس مستوطني غلاف غزة ، فهرعوا إلى الملاجئ ، وكثر عدد الذين قصدوا منهم العيادات النفسية ، وأشعرت القيادة الأمنية والسياسية أن الكفة في الجولة كانت راجحة أكثر لصالح المقاومة .
وللتخفيف من الإحباط الشعبي والرسمي أعلن الجيش الإسرائيلي عقب يومين من الجولة أنه دمر " غواصات " مسيرة لحماس من صنعها ! وانهالت السخريات من الإسرائيليين على نتنياهو رئيس الوزراء وليبرمان وزير الدفاع ، ومن أقواها أن الاثنين يهددان بضرب إيران التي تبعد عن إسرائيل 1600 كم ، ويعجزان عن حسم الموقف في غزة التي تبعد عن إسرائيل 1600 متر . وكالعادة ، كلما وقع صدام مع غزة ، يطرح بعض السياسيين والحزبيين والأمنيين فكرة إعادة احتلال غزة ، والرجوع للوضع الذي كان قائما قبل الانسحاب منها في 2005 .
والُمنتبَه إليه أن الأمنيين أدنى تحمسا بكثير من سواهم لهذه الفكرة ، لوعيهم ، الأمنيين ، بأن المشكلة في غزة سياسية لا أمنية ، وإن غلفوا وجهها السياسي بالحديث عن المشكلات الإنسانية والاقتصادية ، و"السياسة" هنا هي التي يتهرب منها السياسيون الإسرائيليون .
في الجدالات والنقاشات الحالية ، عارض الجنرال يوآف جالانت وزير الإسكان الحالي ، وقائد المنطقة الجنوبية السابق ؛ فكرة احتلال غزة ثانيةً ، وشاركه في معارضته الجنرال يسرائيل زيف القائد السابق لفرقة غزة ، ولمعارضة الاثنين دلالة كبيرة قيمة الوزن ، فهما بحكم صلة عمليهما السابقين بغزة أعلم من سواهما بحقائق الأمور في شأنها خاصة من الناحية الأمنية ، وبماهية الحلول الملائمة لها ، وحكم جالانت على خلاصة تجربة إسرائيل الطويلة مع غزة بأنها " كانت فاشلة جدا " ، وأردف : " وليس لإسرائيل مصلحة إستراتيجية فيها " .
وهي حقا تجربة عظيمة الفشل لإسرائيل ؛ إذ أُجبرت على الانسحاب من غزة بقوة المقاومة المسلحة ، وإذا كانت لا تزال تحاصر غزة برا وبحرا وجوا فهذا الحصار عوامله أو مصادره ليست إسرائيلية صرفة ، وتشترك فيها نوعية اتفاق أوسلو ، والموقف المصري من حرية الحركة لأهل غزة في معبر رفح . وعلى عظم فشل تجربة إسرائيل في غزة إلا أنها ما تزال تواصل تلك التجربة بعد انسحابها من غزة لتجاهلها الكلي لحقيقة ما أدخلها تلك التجربة ، وهو ولادتها اللاشرعية في الأرض الفلسطينية ، وما أفضت إليه تلك الولادة المشئومة من تشريد موجات كبيرة من اللاجئين إلى غزة زادت على عدد سكانها الأصليين ، وتبع ولادتها احتلالها لغزة في عدوان 5 يونيو 1967 الذي توافينا هذه الأيام ذكراه الحادية والخمسون . وفور ذلك الاحتلال سعت جادة لتهجير ما قد تستطيع تهجيره من سكانها ، وأخفق مسعاها .
وكانت غزة أول الأراضي العربية التي احتلت في ذلك العدوان مجابهة ومقاومة للاحتلال ، وهي التي فجرت انتفاضة الحجارة في ديسمبر 1987 ، ولما يئست إسرائيل من قمع تلك الانتفاضة بادرت القيادة العسكرية الجنوبية إلى اقتراح الانسحاب حلاً لا ترى سواه للمشكلة ، وأعلن رابين أنه " سيخرج غزة من تل أبيب " ، وسأل رجال أجهزته الأمنية جادا متمنيا : " ألا يمكن قطعها بمنشار ورميها في البحر ؟! " ، وهو بهذه الرؤية وهذا الموقف يكون قد سبق شارون في السعي للتخلص من عبء احتلال غزة الذي أرادته إسرائيل في البداية مغنما مربحا، فانقلب مغرما مؤلما . ويبدو أن منظمة التحرير الفلسطينية ممثلة في فتح اشتمت رائحة تحول الموقف الإسرائيلي جذريا من غزة ، ورغبة منها في ألا تسوى الأوضاع فيها بعيدا عنها خاصة بعد ظهور منافس قوي لها هو حماس ؛ اندفعت لمفاوضة الإسرائيليين من وراء ظهر الوفد الفلسطيني الداخلي الذي كان جزءا من الوفد الأردني في محادثات مدريد ، فكان اتفاق أوسلو في سبتمبر 1993.
وفي مباحثات الاتفاق اقترح الوفد الإسرائيلي الانسحاب من غزة ، فرد الوفد الفلسطيني بأنه يفضل أن يكون الانسحاب من شقي الوطن ، الضفة وغزة متزامنا ، فاكتفى الإسرائيليون بإعادة الانتشار في غزة على أن تسوى كل الأمور ، مثلما هو معروف بعد خمس سنوات من تطبيق اتفاق أوسلو الذي بدأ فعلا في غزة وأريحا في مايو 1974 . وثبت أن رفض الوفد الفلسطيني للاقتراح الإسرائيلي كان وبالا مخيفا على غزة وعلى كل القضية الفلسطينية نرى الآن مساوئ توابعه ، ويكفي الإشارة إلى أن طرد إسرائيل من غزة كلف الشعب كثيرا من التضحيات والشهداء والدمار والأسرى بعد فشل مباحثات التسوية التي تلت خمس السنوات التي افترض أن تسبق الحل النهائي . إصلاح أي مشكلة يستوجب العودة إلى أصلها ، وهو ما يوافق مشكلة غزة والمشكلة الفلسطينية في مجملها .
الأصل في هذه المشكلة هو ولادة إسرائيل في الأرض الفلسطينية ولادة غير شرعية ، وهذا يوضح أن الحل سياسي لا أمني ، وقوامه إقرار إسرائيل بالحقوق الوطنية الفلسطينية السيادية ، وكل ما تفعله لا يسير في هذا الاتجاه . إنه دوران في حلقة مفرغة ، وغزة لن تختفي ، والفلسطينيون لن يختفوا من فلسطين . الإسرائيليون صنعوا كل المشكلة ، وعليهم أن يحلوها ، وهي ليست مشكلة إنسانية واقتصادية مثلما يوهمون أنفسهم . المشكلة سياسية بكل ما في مصطلح " سياسية " من مدلولات حقوقية وقانونية ، وهي ليست بالقطع مشكلة أمنية عابرة مهما كان العنف الدموي والناري الذي تستخدمه إسرائيل متوهمة إمكانية حلها به . في النهاية لا يصح إلا الصحيح .


التعليقات : 0