مرايا

(معركة المونديال)... عبد الله الشاعر

(معركة المونديال)... عبد الله الشاعر
أقلام وآراء

عبد الله الشاعر

 

كيف منتحتنا تلك الكرة التي تركلها الأقدام فرصة الذوبان في ضمير الجمع نحن؟

 

كيف ألغت ما أوقده الحاقدون بيننا من دم وكره وغضب، حين وجدنا أننا لا نستطيع أن ننسى عروبتنا حين تكون مصر في الميدان، فنصبح كلنا مصر! وحين يركل مغربي ركلة الجزاء، فكأنما صارت كرامة أمة في ركلته!

 

هذا الشعور القومي العربي العميق الذي حسبنا أن المناكفات والخلافات السياسية قد ذهبت به إلى غير رجعة، فإذا به حي يشرق كالشمس على وعي الشعوب المتضورة شوقا للعزة العربية رغم كل الأسى الذي شربته من كأس العروبة!

 

من أين للكرة بهذا السحر الذي ضمد جراح الشعوب، وجعلها صفا واحدا خلف فريق وطني، فالمصري الذي أطبقت عليه الميادين فكيها، وتنهشه قوانين الطوارئ، والغلاء، ما زال قلبه يهتف لمصر في الملعب، فلم تهن عليه البلاد! والمغربي الذي لم يضربه الربيع بعد ما زال يهتف للبلاد وعزها رغم الأسى!

 

ويكبر مع الخسارات المتعاقبة شعورنا الجمعي بالخذلان، من بلاد تعتصر فرحنا وتعجز أن ترده إلينا وإن على شكل فوز في لعبة الكرة! لتعري جوعنا العربي من زمن الهزائم الكبرى إلى فوز من أي نوع! نحن الذين نقضم خيباتنا بالسخرية ونكابر، كي لا نقول بأننا متنا، وما كل هذا الشوق للفوز إلا شوق للحياة! للكرامة للفرح.

 

ونذوب في وجع كبير من الخسارات الصغيرة التي ترسم صورة عجزنا الممتد من مائة عام: بلاد بلا حب ولا حرية، بلاد كل ما فيها ضعيف حتى أقدام الرجال في الملاعب، ونلوك طعم الخزي كعلكة سيئة الطعم، ونقول: اللعب فوز وخسارة.

 

كيف أمكن أن تصير ملاعب الكرة الخضراء منفذا للغضب الشعبي الكبير على أنظمة بذاتها، فتختزل الكرة المتدحرجة غضب الشعوب على حكامها، وتصير هزيمة الملعب بابا من التشفي بالنظام، وسردابا تمر به ثوراتنا الصامتة على الذل السياسي.

 

كم اجتمعت على تلك الكرة الصغيرة من تناقضات! حب وشوق، ودعوات بالفوز وأخرى بالخسارة، كلها تشي بعمق شعورنا العربي، وشدة عجزنا، ولكنها في ذات الوقت تثبت من جديد أننا ما زلنا (نحن).

التعليقات : 0

إضافة تعليق