مذبحة التنازلات... بقلم : ممتاز مرتجى

مذبحة التنازلات...   بقلم : ممتاز مرتجى
أقلام وآراء

بقلم : ممتاز مرتجى

عندما ابتدأت مسيرة التسوية مع دولة الكيان عام ١٩٧٨ وكانت بمبادرة من الرئيس الأمريكي جيمي كارتر من خلال مصر وقاهرة المعز ذات الألف مئذنة كانت الأمة العربية تسير نحو حتفها تحت مسميات زائفة وشعارات براقة...كانت المذبحة تبدأ بالفعل. وكان قد أعلن الرئيس المصري الراحل في افتتاح دورة مجلس الشعب في 1977، استعداده للذهاب للقدس بل والكنيست الإسرائيلي، وقال: "ستُدهش إسرائيل عندما تسمعني أقول الآن أمامكم إنني مستعد أن أذهب إلى (بيتهم)، إلى الكنيست ذاته ومناقشتهم".

 

وانهالت عاصفة من التصفيق من أعضاء المجلس، ولم يكن هذا الهتاف والتصفيف يعني أنهم يعتقدون أنه يريد الذهاب فعلا إلى القدس"!.والتقطت "إسرائيل" هذه الرسالة ؛ وفعلا تمت زيارة السادات لدولة الكيان والقى خطابا في الكنيست الإسرائيلي لتبدأ بعد ذلك مسيرة التسوية والوقوع في الشرك الإسرائيلي الأمريكي.

 

وفي غمرة المفاوضات أعلن السادات لمرافقيه انه سينسحب من كامل ديفيد بسبب التصلب الإسرائيلي فنصحه وزير الخارجية الأمريكي آنذاك سايروس فانس أن يلتقي كارتر على انفراد ، وفعلا اجتمع الرئيسان الأمريكي والمصري على انفراد نصف ساعة.

 

وفي ٢٦ مارس من عام ١٩٧٨ وقع الجانبان الإسرائيلي والمصري وبرعاية أمريكية على اتفاق السلام الذي ينص على عودة سيناء بدون سلاح لمصر وإغلاق الباب أمام أية حروب ومواجهات جديدة بين الجانبين.وبذلك تكون مصر قد حيدت تمام من دائرة الصراع وسلخها عن دورها الريادي تجاه القضية الفلسطينية لتصبح القضية الفلسطينية خاصة بالفلسطينيين وحدهم،ولم تقدم معاهدة السلام الإسرائيلية المصرية أي شيء للقضية الفلسطينية،بل على العكس من ذلك نصت على تكريس الاستيطان وتكريس الاحتلال.

 

عقب هذه المعاهدة تم تعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية من عام ٧٩_٨٩ ،كما قدم وزير الخارجية المصري آنذاك محمد إبراهيم كامل استقالته لمعارضته للاتفاقية وسماها "مذبحة التنازلات" وأصدر كتابا أسماه (السلام الضائع في اتفاقيات كامل ديفيد).

 

منذ ذلك الحين ومذبحة التنازلات مستمرة عندما تم أضعاف الموقف الفلسطيني وإجلاء القوات الفلسطينية من لبنان لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من المفاوضات والتنازلات استمرارا باتفاق أوسلو ومرورا بكامب ديفيد الثانية  عام ٢٠٠٠ والتي استمرت لمدة أسبوعين فقط بين بيل كلينتون وايهود باراك والرئيس الراحل الشهيد ياسر عرفات حيث انسحب من هذه القمة واتهمته إسرائيل بإفشالها ومن ثم شددت عليه الحصار بسبب مواقفه المبدأية والملتزمة.

 

ان مذبحة التنازلات لا تزال مستمرة_ خصوصا بعد أحداث ما يسمى بالربيع العربي الذي مزق المنطقة العربية ودمرها وغرس الرعب في قلوب من تبقى من حكام وقادة عرب،ولعل جولة ترامب الأخيرة في المنطقة العربية خير شاهد ودليل على ذلك وهو يتلقى مليارات الدولارات كهدايا،وكذلك بالاستحواذ على المال العربي طوعا وكراهية من خلال صفقات أسلحة وهمية تجني امريكا من ورائها ما يقارب على أربعمائة وخمسين مليار دولار .وقد كانت نوايا الرئيس الأمريكي الجديد ترامب واضحة في دعايته الانتخابية وهو يقول إننا نريد أموال العرب،نريد أموال دول الخليج فهم يمتلكون المال وعليهم أن يقدموه لنا، ولولانا لما وجدت دول الخليج،ويبدو ان الرسالة وصلت فعلا ليتم الاحتفال به كمخلص ومنقذ وتقدم له الهدايا بالمليارات.

 

انه السيناريو الأمريكي المتكرر ولكنه بشكل أكثر بشاعة وتقززا واسفا هذه المرة،شكل يدعو للحسرة والأسى والأسف للحال الذي وصلت إليه المنطقة العربية والإسلامية!.

 

ولا ينسى احد شعارات الحركة الإسلامية في فلسطين في مطلع الثمانينات وهي تهتف مش ممكن أبدا مش ممكن نقبل بحل لك واشنطن..و موتي غيظا يا امريكا!._ ولكن ما يحث الآن هو للاسف استمرار لمذبحة التنازلات والتناغم_ بل والرضوخ للاملاءات الأمريكية التي تهدف في المقام الأول والأخير إلى تعزيز وجود دولة الكيان في القلب من الأمة الإسلامية والعربية ولتبقى الذراع الذي تبطش به امريكا دول العالم العربي والإسلامي وتكرس الهيمنة والاستكبار عليه.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن ...إلى متى ستستمر مذبحة التنازلات ؟!

التعليقات : 0

إضافة تعليق