مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية/ عبد السلام أحمد
يتفق كثيرٌ من الكتاب والمحللين الإسرائيليين على أن إصرار حكومة الاحتلال على تجاهل الأزمة السياسية، والتي مردها بحسب اعتقادهم إلى الضائقة الاقتصادية، واستمرار الحصار، وسياسة العقاب الجماعي التي تتسبب في تفاقم الوضع المأساوي لأكثر من مليوني شخص؛ من شأنه أن يؤدي إلى عدوان جديد ومواجهة أخرى مع المقاومة في غزة. الحكومة الإسرائيلية ترفض كل المطالب بشأن إيجاد تسوية مع حركة حماس بصفتها الحاكمة لغزة.
الصحفي الإسرائيلي والمحلل العسكري في القناة العبرية العاشرة ألون بن دافيد كتب يقول بأن الإنجازات العسكرية «للجرف الصامد»، التي جلبت ثلاث سنوات ونصفاً من الهدوء في غلاف غزة، أضاعتها الحكومة بانعدام الفعل السياسي. وزير الجيش أفيغدور ليبرمان على رأس من يرفضون التوصيات بشأن تسوية في غزة، وفي مواجهته للنواب والوزراء الذين يطالبون الحكومة بالعمل على إعمار القطاع من أجل تخفيض مستوى التوتر؛ يصرّ على رأيه بأن تحسين الوضع الإنساني في قطاع غزة لن يؤدي إلى تحسين الوضع الأمني، وأن أيّ اتفاق مع حماس ستستغله لجمع القوة، وفي أحاديثه المتكررة يقول بأن المواجهة في غزة الآن باتت ضرورية
وكما ينقل بن دافيد، ففي أحاديث مغلقة يردد ليبرمان دومًا «مرة كل بضع سنوات، يجب أن نضرب حماس والمقاومة كي لا ترفع الرأس»، وينضم إليه كل صباح بعض وزراء الكابينت، يحاولون الظهور بمظهر الرجال حين يعلنون أن «حكم الطائرة الورقية كحكم الصاروخ»، ويضيف «عشرات المداولات في الكابينت جرت حول غزة، والحكومة لم تحاول حتى صياغة ما هي السياسة الإسرائيلية تجاه غزة، بحيث تتجاوز الإدارة المتواصلة للنزاع. الاقتراحات للتسوية التي عرضها الجيش، أجهزة المخابرات، وحتى وزراء في الكابينت؛ رفضت كلها رفضًا باتًا؛ فرئيس الوزراء ووزير الجيش منعا كل بحث في رؤيا مستقبلية لعلاقات إسرائيل مع «الكيان الذي يضم مليوني نسمة يسكنون بجوارنا».
الجيش الإسرائيلي وما يعرف بـ «منسق شؤون المناطق» في كل اجتماع للحكومة يعرضون معطيات الضائقة المتعاظمة في غزة، ويحذرون بضرورة إيجاد معالجات، لكن القيادة السياسية لا تتأثر، ولعلها - كما يقول بن دافيد - تعتقد بأننا «إذا منعنا عن مليونين من الناس الرزق، الماء، الكهرباء وحق الحركة؛ فلن يكون لهم مفر غير التبني في نهاية المطاف للرؤيا الصهيونية». ومن ناحية حماس، يقول بن دافيد «حماس، التي يئست من التجاهل الإسرائيلي لتوجهاتها لوقف النار، توجهت إلى المواجهات على طول الجدار، ولما لم تنجح هذه؛ اكتشفت الأثر الهدام للطائرات الورقية، والتي اعتبرتها سلاحًا شرعيًا، وغير فتاك. قيادة حماس - التي أثبتت براغماتية في السنوات الأخيرة - لا ترغب في مواجهة واسعة مع إسرائيل، ولكنها في أزمتها مستعدة لأن تأخذ بالمخاطرة».
سياسية الجيش
ويواصل «التوجيه السياسي للجيش الإسرائيلي هو تصعيد الردود العسكرية على الطائرات الورقية: بداية بنار التحذير قرب الخلايا، بعد ذلك بالهجوم على سيارات مطلقي الطائرات الورقية، ومن هذا الأسبوع بمهاجمة البنى التحتية لحماس. من الجهة الأخرى، حماس أيضًا غيّرت المعادلة، ومن الآن تعتزم الرد بنار الصواريخ على كل هجوم إسرائيلي؛ وهكذا نكون صعدنا إلى المسار المضمون للمواجهة. بضع ليال أخرى من النار مثل ليلة الثلاثاء، وإذا بنا في معركة جديدة مع غزة».
وبرأي بن دافيد؛ لا سبب يدعو للمبالغة في تضخيم المخاوف من غزة، «لا يوجد سبب يجعلنا نخاف من بائسي غزة؛ فهم لن يهزمونا، لن يحتلونا وكل مواجهة ستؤلمهم أيضًا. ولكن ما الذي سنكسبه من مثل هذه المواجهة؟ المواجهة التالية هي الأخرى - مهما كانت ناجحة - ستعيدنا في أقصى الأحوال إلى النقطة التي كنا فيها في شهر آذار الماضي». وإن كان لابدّ من مواجهة؛ فهو يقترح تأجيلها إلى حين الانتهاء من بناء العائق تحت الأرضي، «حتى لو تبنينا طريقة أفيغدور ليبرمان في أن المواجهة مع حماس ضرورية كل بضع سنوات، أليس من الأفضل أن نبدأها في مرحلة نكون قد أنهينا فيها من بناء العائق تحت الأرضي؟ معروف لإسرائيل أنه لا يزال هناك عدد لا بأس به من الأنفاق التي لم تكتشف بعد، وسيكون من الحكمة أكثر ان ننتظر إلى أن يُحيّد هذا التهديد تمامًا قبل أن نقفز إلى حرب اخرى في غزة.
ومع هذا يعود ليؤكد على أن المواجهة لن تحل المشكلة، وأن «كل إنجاز عسكري يكون عديم المعنى بغياب فعل سياسي يأتي بعده. لقد صاغ دافيد بن غوريون المفهوم الأمني الذي يقول بأن مهمة الجيش هي إبعاد الجولات الحربية التالية، وبالتالي فقد حافظ الجيش الإسرائيلي على سياسة ملجومة حول القطاع، وحاول ان يعرض على القيادة السياسية الحاجة إلى تسوية ما تعطي أفقًا لسكان القطاع، ولكن هذه المحاولة وقعت على آذان صماء».


التعليقات : 0