جميل عبد النبي
ندرك صعوبة البت في التساؤل المطروح أعلاه، وندرك أيضاً حجم القيود التي تحول بين أصحاب الفكر الحر وبين قدرتهم على التعبير عما يؤمنون به حول هذه القضية، حتى وإن تجرؤوا على وضعها على طاولة النقاش، حيث هناك الكثير من المحاذير تبرز في طريق التحليل المنطقي لهذه الظاهرة، التي ما عاد من الممكن إنكار وجودها أو التقليل من مخاطرها، لأن أي تحليل منطقي لظاهرة التطرف سيمس حتماً بعض ما بات يشبه المسلمات التي وجدت طريقها للاستقرار في العقل الجمعي الإسلامي، وبالتالي فإن القليلين هم الذين يستطيعون التفكير بصوت مرتفع في هذه القضية، وسيحاطون بجملة من المحاذير التي قد تصل إلى حد تهديد حياتهم، ومن ثمّ فمن الطبيعي أن تجد بعض المثقفين ينأون بأنفسهم عن الاقتراب من دائرة الخطر.
لكن قضية التطرف الديني لم يعد من الممكن تجاهلها، فهي لم تعد قضية هامشية ولا جانبية، بل باتت تهدد كيانات ودول ومجتمعات قائمة ومستقرة منذ مئات السنين، ومن هنا لم يعد من الممكن ولا من المنطقي تجنب الحديث عن أسباب ومنطلقات وسبل مواجهة هذه الظاهرة، وإلا فسنجد أنفسنا جميعاً ضحية لإرهاب والتطرف والتسطيح الديني والفهم الخاطئ لمحكم ومتشابه القرآن الكريم.
يحاول البعض أن يقرر أن هذه الظاهرة من ألفها إلى يائها هي صنيعة أمريكية بامتياز! ونحن نرى أن هذا القول خاطئ من عدة وجوه، فهو أولاً: يبحث عن الطريقة الأسهل لفهم الظاهرة بنسبتها إلى العامل الخارجي دون معاناة البحث في العوامل الداخلية التي لو سلمنا بوجود العوامل الخارجية، ستمثل له الأرضية الخصبة التي يعمل من خلالها، فأنت لا تستطيع أن تزرع أرضاً قاحلة، بل تبحث حتماً عن الأرض التي يمكن أن تنتج فيها بذورك الثمار التي تريد، والعامل الخارجي لن يكون مؤثراً لو لم يجد تلك الأرض الصالحة لبذوره.
أما ثانياً: فإن أصحاب هذا الرأي يتجاهلون أن معظم المنتمين لظاهرة التطرف الديني هم من شديدي التدين!!! وأن معظمهم جاهزون للموت دون أي مقابل مادي في المكان والزمان الذي يحدده لهم شيوخهم ومفتوهم، فهل يمكن التصديق أن أولئك الشباب الذين يغادرون أوطانهم ويتنقلون في البراري، ويقطعون أحياناً آلاف الكيلو مترات في رحلة البحث عن الخطر! هل يمكن التصديق أنهم عملاء لأمريكا ولجهات خارجية؟ لا قيمة لمثل هذه الفرضية أمام آلاف الشواهد التي تنفي ثبوتها، حتى لو جئنا بشواهد مقابلة تدلل على ارتباطهم الخارجي، من قبيل: مصادر الدعم، وحجم التسليح، لأن وجود جهات خارجية تسعى لاستغلال الظاهرة لا يعني أن كل المنتمين لها عملاء، ولا يعني أنها ليست بنت ذات الثقافة التاريخية التي ننتمي لها جميعاً.
أما ثالثاً: فإن تضخم الظاهرة وامتدادها الأفقي في جميع مناحي وطننا العربي والإسلامي تقريباً، من دون معظم بلاد العالم الأخرى، لا بد له وأن يحرك فينا دوافع البحث الحقيقي في كل ما يتعلق بالتطرف الديني من الأسباب والدوافع والعوامل المساعدة، وعلاقة هذا التطرف بالدين، كيف بدأ؟ ولماذا؟ وعلى ماذا ارتكز؟ وأين أصاب؟ وأين أخطأ؟ وما أسباب هذا الخطأ؟ وهل نحن بحاجة إلى إعادة ترتيب أولويات فهمنا الديني؟ وهل هذا التطرف طارئ أم قديم؟ هل شهد التاريخ الإسلامي أشكالاً أخرى للتطرف؟ وكيف أثرت هذه الأشكال على تراثنا وفقهنا ومسلماتنا؟
تساؤلات كثيرة تعيدنا إلى نقطة البداية، صعوبة البت في كل هذه التساؤلات، وحجم القيود والعقبات التي ستواجهها عملية البحث، لكن هذا مما ليس منه بد، وما عاد مقبولاً أن نستمر في دفن رؤوسنا في الرمال أو أن نتظاهر بعدم الفهم!
إن المطلوب من علماء ومفكري الأمة الآن: أن يضعوا هذه القضية على طاولة البحث الحقيقي وأن يكونوا صادقين مع أنفسهم ومع أمتهم، وأن ينحّوا جانباً كل المحاذير التي تعيق عملية البحث، حيث لا بد أن يتحول هذا العمل إلى عمل جماعي يساعد فيه كل محبي الإسلام والمدافعين عنه، أو على الدنيا، بل وعلى الدين السلام، وعلى مستقبلنا السلام.


التعليقات : 0