الجهوية ومستقبل التنظيمات السياسية الفلسطينية... بقلم: ثابت العمور

الجهوية ومستقبل التنظيمات السياسية الفلسطينية... بقلم: ثابت العمور
أقلام وآراء

ثابت العمور

أُسدل الستار على الانتخابات المحلية الفلسطينية في الضفة الغربية دون غزة، وتعد قضية الانتخابات واحدة من أهم الإشكالات في المشهد السياسي الفلسطيني ، وهي قضية تتعدد أبعادها وتبعاتها ودلالات إجرائها من عدمه، ولكنها ليست مربط الفرس في هذه الزاوية من التناول، إذ أن واحدة من أبرز نتائج الانتخابات المحلية التي أجريت في الضفة الغربية أظهر تقدم المستقلين والعشائر أو القوائم العائلية، مقابل تراجع القوائم الحزبية، بجانب التراجع الكبير في نسبة المشاركة الشعبية.

 

هذه الظاهرة- تراجع القوائم الحزبية لصالح العشائرية- لا تقتصر على الضفة الغربية، بل تتجلى بشكل واضح واكبر في قطاع غزة، وقد بدت قبل الذهاب لتأجيل الانتخابات المحلية التي كانت مفترضة بين الضفة والقطاع قبل الطعون القضائية التي قدمت وأفضت لاستبعاد عدة قوائم حزبية، الأمر الذي أفضى لتجميد الانتخابات نهائيا ثم إجرائها في الضفة دون غزة.

 

وقد برز في القوائم الانتخابية آنذاك بغزة البعد العائلي والعشائري بشكل ملحوظ جدا، بل إن غالبية الأحزاب السياسية حرصت على إحضار البعد العائلي والعشائري على حساب محددات أخرى كثيرة، فبعض القوائم الانتخابية كانت عبارة عن قائمة لعائلة واحدة بغض النظر عن المؤهلات والقدرات والمحددات التي غابت عن كثير من القوائم، وبدا الأمر وكأن العائلة هي التي تحدد معالم القائمة الانتخابية وليس الحزب او التنظيم السياسي.

 

مزاحمة الجهوية والعائلية والعشائرية للتنظيمات والأحزاب السياسية لم تتجل فقط في القوائم الانتخابية ولا في نتائجها، بل بات أمرا ملحوظا في الساحة الفلسطينية والسؤال كيف سحبت الجهوية البساط من تحت أقدام التنظيمات السياسية سياسيا أولا واجتماعيا ثانيا وإعلاميا ثالثا؟، حتى باتت هذه التنظيمات والتشكيلات السياسية حريصة كل الحرص على الحفاظ على حبال الود مع العائلات ، وبالتالي نحن بالفعل أمام ظاهرة تقدم العائلات أو العشائرية على حساب التنظيمات السياسية، ومظاهر ذلك اكبر من أن تعد أو تحصر .

 

ابرز المظاهر أن تصبح العائلات تقدم نفسها كبديل للأحزاب أو التنظيمات السياسية، وهنا تجدر الإشارة إلى أن البعض قد يعتبر أن الحزب السياسي غير متاح في الحالة الفلسطينية وهذه جدلية أكاديمية لها خصوصيتها في الحالة الفلسطينية فرغم التسميات المختلفة والتي يغلب عليها اصطلاح الحركة إلا أن جزءاً أصيلا وكبيراً وأساسياً من ممارسات هذه الحركات هو في الأصل جزء من ممارسة الأحزاب السياسية وبالتالي كل التشكيلات والتنظيمات والمسميات في الساحة الفلسطينية ينطبق عليها ويمتد إليها مفهوم الحزب السياسي وهذه أسوقها ، لضبط حالة الشد والجذب الحاصلة في جزئية العمل السياسي والدور الاجتماعي لهذه التشكيلات ومزاحمة العائلات لهذا الدور ، بل إن الصراع السياسي الحاصل بين فتح وحماس لم يخل هو الآخر من استحضار البعد العائلي وتقويته وتدعيمه حتى بات مظهرا من مظاهر التأييد والمساندة والحضور لكل من فتح وحماس.

 

الجهوية أو العشائرية ليست مرفوضة كفكرة وكممارسة لكنها حينما تتغلب وتتقدم على المؤسسات السياسية وتزاحمها وتحتل مساحاتها في العمل السياسي والاجتماعي والإعلامي يصبح الأمر ظاهرة غير صحية في الحياة السياسية وملامحها من مشاركة وتعددية وبرامج وتحول واستقرار ، حسابات العائلة مختلفة تماما عن حسابات الحزب أو التنظيم السياسي، والحالة الفلسطينية عانت من الأبعاد العائلية وفي مرحلة من مراحل التطور والتحول الديمقراطي استطاعت تجاوز هذه الظاهرة لكن ما شهدته الساحة الفلسطينية مؤخرا أفضى لتراجع التنظيمات لحساب وصالح العائلات، وواحدة من أهم الدلالات في هذا الشأن هو فقدان الثقة في أداء التنظيمات السياسية الأمر الذي يحتاج لمراجعة شاملة .

 

لقد بات لكل عائلة مجلسها وموقعها الإعلامي وحضورها الاجتماعي، بل باتت كل مجموعة عائلات تشكل مجلساً أو اتحاداً هو أمر يشبه الميلاد من الخاصرة ، دلالات ذلك ليس في نمو ظاهرة اجتماعية قد يصبح لها حضور سياسي لكن ما يحدث يحدث على حساب تنظيمات سياسية لها برامجها وفكرها وممارستها، وهو أمر يعني في احد معانيه تقدم الثاني الجهوي على حساب الأول الوطني.

التعليقات : 0

إضافة تعليق