معروف الطيب
لم يعد بيننا وبينكم شيء للتجريب فلقد اختفى الجلد تحت النصال، وعصرت أمهاتنا الدموع حتى توقف السيل وصارت العبرات دخاناً، جلبتم لنا كل كوارث الدنيا ولم تتمكنوا من نسخها من ذاكرتنا، ولم نتهوَّد ولم ننقرض..
ما هذا الغباء الذي يسيطر عليكم وأنتم تصرون على مواصلة درب التآمر من ذات الموقع وبنفس الأساليب الممجوجة، لن يحقق لكم عنادكم انقلاباً فنصحو فجأة يوماً لنقول : حسناً سنكف عن اعتبارها وطناً لنا، فخذوها هنيئاً مريئاً، وسنشرع في البحث عن وطن بديل.
هذا لن يحدث مطلقاً لأنَّ ذلك كما وجودكم ينافي صيرورة التاريخ، فعلتم ما عليكم أن تفعلوه واقتربتم كثيرا من امتلاك الدنيا في جوقتكم ولكن لم تتمكنوا من امتلاك فلسطين.
ولو حسبناها كجردة إنجازات، نعم، سيطرتم على المزاج السياسي لترامب فأصبح صهيونياً أكثر منكم، ويتحرك في مدى أهدافكم وجند قضه وقضيضه لمحاصرة أعدائكم، وتكفل بإضعافهم حد التلاشي، وجند كل كلاب الدنيا اقتصادياً؛ لنهش كل من يعلن العداء لكم، أو يرفض وجودكم في المنطقة، بل كل من لا يعلن قبوله بالحلف معكم وهذا انجاز يعتد به من جانبكم.
كذلك تمكنتم من تحويل كل العرب – إلا من رحم الله - إلى كورال صهيوني بامتياز حيث تجاوزوا مرحلة التطبيع معكم إلى حلفاء، فاندمج الخليج العربي معكم في وحدة الدم والمصير، ورضوا أن يكونوا شهود زور، وحولوا عجزهم لسيل من الهجوم بالاتجاه المعاكس فتحولوا إلى أعداء لأعدائكم. وهذا انجاز مميز أسعدكم وأراح ضمائر سرقتكم لأرض ليست لكم. ولكن يا سادة لم تنجحوا رغم ذاك في التسلل داخل نسيج المنطقة لتصبحوا جزءاً أصيلا من تكوينها لتقبلكم شعوبها، كما حدث للأوروبيين عندما اكتشفت أمريكا، ولم تتمكنوا من إبعادنا عن حدودها بل حاصرناكم داخلها من جميع الجهات وكأننا المسافر الذي يرزم حقائب السفر انتظاراً لفتح الباب للعبور، لم نذب كالملح في صهريج الويلات والنكبات والمجازر والعنف المصبوب كالشلال، والمتجدد في المواسم، فبقينا وبقي معنا شعورنا بالضيم، وتجذرت مطالبتنا بالحقوق ونقلناها في الخلايا لأطفالنا فكان ما ترون الآن على الحدود مع غزة .
والأنكى بالنسبة لكم ما حدث في حيفا فخروج الجماهير تضامنا مع غزة شطب عقوداً من جهدكم في تهويد الأرض التي ابتلعتموها وهو دليل فشل على فشل، وهو دليل على عدم مقدرتكم في تحقيق أي انجاز، وكأنكم في عام الثمانية والأربعين، وهناك فرق وحيد أيضاً لا يسعدكم، في ذلك العام حين وزعتم الموت على الفلاحين الفقراء غادروا أمام مفرمة أجنبية، أما اليوم فلم يعد الموت يخيفهم يتراقصون في حضرته ويعلنون أسماءهم ما بين الرصاص كأنهم يؤدون عبادة.
لجأتم لذات الأساليب الخسيسة في اللعب من تحت الطاولة، وراوغتم تضييعاً للمزيد من عمر الشعب المنتظر للعودة فشرعتم في تفاوض مفتوح بلا هدف سوى الوقت، ولكنكم في ذات الوقت أفقدتم المفاوض وزنه بين شعبه، وقويتم المقاوم الذي يشرع الرصاص، وكأنكم تؤكدون رواية المقاومة : نحن قوم لا يفيد معنا شيء سوى القتال». ثم تجاوزتم كل خرافات الشعوذة السياسية، وتجاوزتم حدود المعقول واخترتم إلقاء آخر حبالكم وعصيكم فجلبتم كل المخبولين لحرق المنطقة برمتها وقطع ظهر فلسطين التي تقاوم وراهنتم على أن الفوضى الشاملة ستعيد ترتيب المنطقة من جديد، وفي الترتيبة الجديدة تصبحون عنصراً أصيلاً من مكوناتها، ولكن السحر انقلب على الساحر وبدل أن تسيطر الفوضى صمدت المقاومة وأصبحتم أكثر اندحاراً وانكفأتم للوراء وداهمكم الشعور المزعج الذي يؤرق حياتكم في انتظار المواجهة الأخيرة؟.


التعليقات : 0