ميسا أبو ستة
أخصائية تربوية
نسعى بجهد دون كلل لتربية أبنائنا وفقا لقواعد تربوية نرى أنها الأصلح لينضج أبناؤنا شبابا وشابات صالحين واثقين متعلمين ، وقادرين على إدارة شئونهم العائلية والاجتماعية والمهنية ، ولكل منا وجهته التي يرتئيها في ذلك ، فهناك من يرى أن في الشدة والتضييق مصنع الرجال ، وآخر يتبنى نهج اللين وتوفير كل ما يلزم للأبناء لإبعادهم عن الشعور بالعوز أو النقص وهو أيضا يرى في نهجه هذا مصنع الرجال .
وفي خضم معاركنا التربوية ما بين الصحيح والأصح وما لا يصح أغفلنا جميعا أو أكثرنا التربية الاقتصادية للأطفال أو ما يمكن تسميته «مبادئ الإدارة المالية» فوقعنا بين شركين قاسين؛ ودون قصد أنشأنا جيلا ما بين بخيل جدا يخاف هدر الأموال والبقاء دونها فيفضل العوز وقسوة الحياة على أن يقتني ما يحتاج ، وبين آخر يعتمد نظرية « اصرف ما في الجيب ....» ملبيا جميع مطالبه دون حساب أو إدراك لعواقب ذلك اقتصاديا على حياته .
ورغم اختلاف النظريات والمدارس الفكرية إلا أن معظم التربويين اتفقوا على أن النظرية الأكثر فشلا على الإطلاق في التربية الاقتصادية للطفل هي نظرية (حوش من مصروفك) !
فكلما قررنا أن نعلم أولادنا الاقتصاد والتوفير لجأنا إلى دفعهم لذلك وفقا للنظرية المذكورة باقتطاع جزء من مصروفهم للتوفير ، وهنا يلجأ الطفل للقيام بذلك مرغما مجبرا من الأهل ، أو متظاهرا بالرغبة في ذلك لأنه وجد ما يحصل من خلاله رضا والديه ومدحهما عليه في جلساتهم العائلية ، فيشعر بالرضا على نفسه .
وبمحاولة تحليل الأمر فإن المصروف اليومي للأطفال بالكاد يغطي احتياجاتهم ، وبالاقتطاع منه تنقص تلبيته لحاجاته داخل المدرسة مما يشعره بالنقص عن زملائه، ويقع ما بين رضا والديه ورضا نفسه.
وأمام إدراكنا لذلك كأولياء أمور قد يلجأ البعض للتحايل على هذا القانون فيعطي الطفل مصروفه كاملا مضيفا له مبلغا بهدف توفيره ! في هذه الحالة عمليا نحن الذين نوفر لا الطفل ، ولم نعلمه شيئاً عن التوفير إطلاقا.
في زحمة البحوث والدراسات التي أُجريت حول هذا الموضوع فان الأمر ابسط مما نتخيل بكثير ، فما يلزمني هو إنشاء إنسان قادر على تلبية احتياجاته وفقا لقدراته المالية ، بحيث يكون قادراً على تمييز المهم من الأهم ، ولتحقيق ذلك فأنا لا احتاج إلى ما هو أكثر من تدريب طفلي على ذلك مبكرا ، حتى يتعلم ضبط رغبته في الحصول على كل شيء ، ووضع الخطة الزمنية الملائمة لما يمتلك من مال لتحقيق رغبته في الحصول على ما يريد .
إذان كيف أدرب طفلي على ذلك ؟
يمكننا تحقيق ذلك بتخصيص مبلغ مالي يتم الاتفاق عليه مع الطفل ، ويحصل عليه الطفل شهريا ، هذا المبلغ يمكن اعتباره راتباً شهرياً دون شرط أو قيد يحصل عليه الطفل بعيدا عن التهديد بوقفه أو حرمانه منه ، على أن لا يتم خصم المصروف اليومي من هذا المبلغ ، ولا مستلزمات الحياة الطبيعية من مأكل وملبس والعاب متكفل ولي الأمر بتوفيرها للطفل ضمن قدراته المالية ، فلا يجب إعطاؤه هذا المبلغ الشهري وحرمانه من ملابس يحتاجها فيلجأ مجبرا على إنفاقها في شراء الملابس.
وفي المقابل يجب تنبيه الطفل أن هذا المبلغ تحصل عليه مرة واحدة فقط كل شهر .
وليكن هذا المبلغ وفقا لقدرات العائلية المالية لا يتطلب الأمر أن يكون كبيراً ففي حين يستطيع شخص ما أن يمنح طفله 100 شيكل شهريا ضمن هذه الخطة ، وآخر توافق قدرته 5 شواكل ، في كلتا الحالتين نحقق الهدف من هذا التدريب ، ما يهم أن يكون هناك اتفاق مسبق على المبلغ المذكور لا يخل به ولي الأمر.
أما الخطوة التالية والأهم لتدريب أطفالنا هي: ماذا سيفعل الطفل بهذا المبلغ الشهري ؟
والإجابة هي : أن تترك الحرية الكاملة للطفل ليفعل بنقوده ما يريد دون قيد أو شرط أو اعتراض ، سنلاحظ في الأشهر الأولى سرعة الطفل في إنفاق النقود دون التفكير أو التخطيط ، وكما يحدث معنا ونحن بالغون سيحدث معه لاحقا بأن يلوم نفسه ويؤنبها لو انه لم يتسرع واشترى تلك اللعبة بدلا من هذه الحلوى ، أو لو انه حصل على ذلك اللوح الملون لكان أفضل ، وقد يلجأ الطفل إلى طلب المزيد لأنه نادم على إنفاقه النقود على شيء غير مفيد ويلح بأنه بأمس الحاجة للحصول على شيء يراه أهم ، هنا يجب علينا استغلال الفرصة لتنبيهه – دون لومه - إلى ضرورة التخطيط قبل صرف النقود ، وإخباره أننا كثيرا ما وقعنا في هذا الفخ قبله ، والاعتذار بأن عليه الانتظار للشهر القادم للحصول على مبلغ جديد ، دون الوقوع تحت وطأة إصراره ورغبته بمنحه نقوداً أخرى .
بمرور الوقت سيبدأ الطفل بفهم قيمة المال الموجود معه وتبدأ تطلعاته تزداد للحصول على ما يفوق ثمنه المبلغ الذي يمنح له فيبدأ جديا بالتفكير بتوفير ما يحصل عليه شهريا لإكمال المبلغ المطلوب لسد احتياجاته ، وربما بدأ بدخول مفاوضات مع الأهل بأنه إذا نجح بتوفير نسبة من المبلغ المطلوب فعليهم إكمال ما تبقى، - ولا ضرر في ذلك - .
الفكرة من إتباع النظام السابق أن يشعر الطفل بالأمان والاستقرار المالي ، فمن منا لا يشعر بذلك إذا ما كان له راتب يتلقاه نهاية كل شهر؟ فيخطط ويحدد احتياجاته وفقا لهذا المبلغ المنتظر ، فبعد أن ينفقه بعشوائية و يندم سيقرر الاعتدال في خططه وربما يخفق عدة مرات إلا انه سيصيب في النهاية ، وهنا يقرر في ما إذا كان يريد إنفاق النقود أو توفيرها بهدف الوصول لمبلغ معين بهدف سد حاجة لديه يرغب بتلبيتها .
فالتوفير لأجل التوفير دون هدف فشل وفلس اقتصادي لن يعلم الطفل شيئاً .


التعليقات : 0