بقلم : حماد صبح
عرف المواطن السويدي بنيامين لادر بعض الحقائق عن عدالة القضية الفلسطينية ، وآلام شعبها وتضحياته دفاعا عن حقه في الوطن والحياة ، وما عرفه من تلك الحقائق أن وعد بلفور في 2 نوفمبر 1917 صنع منصة انطلاق للصهاينة لاغتصاب الوطن الفلسطيني ، فاختار مئوية الوعد الأسود الجائر ليبدأ مشيا رحلة 4800 كم من بلدته جوتنبرج إلى فلسطين المغتصبة والمسماة في 78 % منها إسرائيل . ووضح سبب اختياره المشي ، فوق رقة حاله وقلة ماله ، بأنه " طريقة جيدة تجعل الناس يلاحظون ما أقوم به " ، وزاد من ملاحظة الناس فعلا لما قام به أنه حمل علم فلسطين ، فخفق فوق جسده النحيل في هواء ألمانيا والنمسا وسلوفينيا وتركيا وقبرص . وبعد أن وصل لبنان انقطع مشيه بسبب الحرب السورية ، فركب الطائرة من بيروت إلى عمان .
انطلق بنيامين من بلدته في 6 أغسطس 1917 ، ووصل جسر الملك حسين في 6 يوليو الحالي ليلتقي بالفلسطينيين في الضفة ، وإن استطاع في أراضي 1948 ، وربما في غزة . وفي الجسر استجوبته الأجهزة الأمنية الإسرائيلية 6 ساعات ، وعجيب تكرر الرقم 6 في رحلته ! وبعد استجوابه رفضت تلك الأجهزة دخوله ، فكتب متسائلا على حسابه في فيسبوك : " لماذا تخاف إسرائيل من سويدي لدرجة أن تمنعه من دخول بلاد تحتلها ؟! " ، ويجيب : " هنا تكمن قوة ما أفعله " ؛ إسرائيل تخاف زيادة فضح قبح حقيقتها ، وقبح احتلالها الاستيطاني . السارق لا ثقة لديه البتة في شرعية ملكيته لمسروقاته .
ولإرادة بنيامين الصلبة في الدفاع عن اقتناعه بعدالة القضية الفلسطينية لم يحبطه منع إسرائيل له من الالتقاء بالفلسطينيين في الأرض الفلسطينية ، وقال في هدوء وثقة : " سيدفعني هذا للعمل أكثر فأكثر " . من الخصائص الحسنة للشخصية الأوروبية على المستوى الفردي أنها إذا اقتنعت بفكرة دافعت عنها في حماسة وقوة وثبات مهما تكاثرت العقبات والمشقات في طريقها وتنوعت .
هذه الشخصية بلورتها وصقلتها ثقافة تكونت في مئات السنين ، ولبابها شعور الفرد شعورا قويا مستقرا بذاته ، وثقة عميقة في قدرات هذه الذات ، ووعي واضح بأنه ليس ملزما بما تراه الدولة والمجتمع إلا في حدود القانون . فقد تعلن دولته الحرب على دولة أخرى ، ولا يقتنع بعدالة هذه الحرب ، فيعارضها بكل وسيلة في قدرته .
باختصار : المواطن الأوروبي قوي الشخصية ، وقوته في النهاية تعزز قوة مجتمعه ، والثقافة الأوروبية هنا ، ولا غرابة ، تلتقي مع جوهر القيم الإسلامية والعربية التي يشخصها مبدأ " اختلاف الآراء رحمة " ، والمثل العربي " ترى عينان ما لا تراه عين " . والثقافتان تتنافران وتتناقضان مع طغيان المبدأ الفرعوني المدمر للمجتمع " لا أريكم إلا ما أرى " ، فيصبح الجميع عميا بصرا وبصيرة . وما يسحقنا من دمار الآن في العالم العربي والإسلامي مصدره الجذري هو التخلي عن جوهر ثقافتنا الإسلامية والعربية الصحيحة ، والأخذ الصارم بذلك المبدأ أو المنهج الفرعوني في الحكم . الحاكم يمتلك البلاد والعباد ، ويفعل بهما ما يشاء مادام في هذا الفعل استدامة لبقائه في الحكم مع القوى المستفيدة منه . فجأة ، أو هذا ما تظاهرت به ، تأكدت بعض الدول العربية أن إسرائيل ليست عدوا للعرب والمسلمين ، وأن لها حقا في الأرض الفلسطينية ، أي أنها لم تغتصب هذه الأرض تحت عين العالم في وضح شمس التاريخ ، ورتبت تلك الدول على تلك المقدمة الكبيرة الخطأ والخطيئة استنتاجا يبترها من أمتها بترا ، هو أن القضية الفلسطينية كانت كذبا ووهما .
ومع أن تلك الدول لم تضحِ من أجل تلك القضية لا بمال ولا بولد فإنها أسرفت في تأسفها على ما ضاع من المال والدم والعربي في الدفاع عن القضية الفلسطينية . ولكون ثقافة امتلاك الحكام للبلاد والعباد ثقافة عربية منحرفة عن جوهر الثقافة العربية الأصيلة الإسلامية الروح قرأنا وسمعنا العجائب الغرائب من مواطني تلك الدول في تماهيهم مع الحاكم الذي محا هوياتهم الذاتية ، وجعلهم لا يرون إلا ما يرى .
بعض العجائب في صورة " كتاب " ما أبعدهم عن الكتابة حتى في مستوياتها الدنيا ! . في رمضان الماضي زارت "كاتبة "كويتية إسرائيل ، وعند الحدود قدم لها الإسرائيليون وقت الإفطار تمرا وقهوة ، فجنت حبا بهم ! كل مآسي الفلسطينيين وتضحيات العرب الشرفاء اختفت بفنجان قهوة وثلاث حبات تمر . ومن أيام نشر "كاتب" سعودي مقالا يفيض أخطاء إملائية ونحوية يتشوق فيه متحرقا لرؤية سفارة لبلاده في القدس ، وسفارة لإسرائيل في الرياض ، وعلى نهج الكاتبة الكويتية اختصر مآسي الفلسطينيين وعذاب الأمة العربية وتضحياتها في أن العلاقة العلنية والرسمية لبلاده مع إسرائيل ستمنحه السياحة فيها والتمتع بالماء والخضرة والوجه الحسن.
ليس في وعيه أسئلة من نوع : في أي أرض هذا الماء وهذه الخضرة ؟! ومن أين جاء هذا الوجه الحسن ؟! وأي وجوه محاها مجيئه ؟! المجتمعات الحرة الرأي والرؤية تصنع أحرارا تقوى بهم، ومجتمعات الرأي الواحد والرؤية الواحدة تصنع عبيدا تضعف بهم وإن توهم حكامها القوة ، وأصروا على إيهام الناس بها ، وبنيامين رمز لقيم النوع الأول ، والكاتبة الكويتية والكاتب السعودي وأمثالهما رمز لقيم النوع الثاني .


التعليقات : 0