بقلم : حماد صبح
تتباين التوقعات حول ما قد يؤدي إليه القصف المتبادل بين إسرائيل والمقاومة في غزة والذي بلغ أشده يوم السبت . الحروب الثلاث السابقة بدأت ذات البداية : قصف متبادل ، ثم الانفجار . وفي الأخبار الإسرائيلية المصادر والعربية المصادر أن إسرائيل توصلت إلى تهدئة مع حركتي حماس والجهاد برعاية مصرية ، وأممية مثلها ملادينوف المنسق الخاص لعملية السلام . الحروب الثلاث السابقة كانت فشلا كبيرا لإسرائيل في تحقيق أي هدف أعلنت أنها تريد تحقيقه ، وأهم هذه الأهداف : القضاء على حركة حماس ، ونزع سلاح المقاومة . والآن هي لا تريد أكثر من وقف إطلاق الطائرات الورقية والبالونات الحارقة ، وإن كانت تأمل في وقف مسيرات العودة .
أخبار التهدئة لا توضح أي موافقة للمقاومة على وقف إطلاق الحارقات ، طائرات وبالونات ، فالغموض هو الغالب على جو التهدئة المهيأ للاشتعال في أي لحظة . وترد المقاومة على ما تريده إسرائيل بطلبيها القديمين الدائمين : رفع الحصار كليا ، وإنشاء ميناء بحري وميناء جوي ، وترفض إسرائيل الطلب الأول ، وتتحدث أحيانا عن إمكانية تخفيف الحصار ، وتقترح بخصوص الميناءين حلولا خارج غزة مثل رصيف بحري خاص بالبضائع التي ترد إلى غزة في ميناء ليماسول القبرصي . وبين ما تريده إسرائيل وما تريده المقاومة يتواصل خنق غزة ، وتتسع ضوائقها ، فما المخرج !.
مشكلة غزة أو محنتها ثلاثية الأبعاد : بعد إسرائيلي ، وبعد فلسطيني ، وبعد مصري . في البعد الإسرائيلي غزة مأزق بشري وأمني لا حل له بعد أن اختبرت إسرائيل سلسلة متعاقبة الحلقات من الحلول منذ احتلالها لغزة في 5 يونيو 1967 ، ومن تلك الحلول تهجير سكان غزة خاصة اللاجئين ، ومنح المواطنين وهم أقل من اللاجئين الجنسية الإسرائيلية ، وخلق وجود استيطاني قادر على النمو ، ولما فشلت في تحقيق الهدفين اضطرت للانسحاب منها في 12 سبتمبر 2005. وحذرا من العواقب الأمنية لانسحابها استكتب شارون رئيس وزرائها حينئذ إدارة بوش الابن وثيقة تبيح له ضرب غزة بقسوة ووحشية إن أطلقت منها النار على المستوطنات الإسرائيلية الواقعة في غلافها .
والحروب الثلاث ، وما حدث هذا الأسبوع ، وما قد يحدث في أي لحظة ، كلها توضح أن الانسحاب لم يكن كافيا لحل مشكلات الواقع المعقد في غزة ، وفاقم من تلك المشكلات أن الانسحاب كان شكليا ، وإسرائيل ببساطة خرجت من البيت ، وأقعت ( تشبيها لها بالكلب ، وهو تشبيه يستعمله الإسرائيليون لوصف بعض أحوالهم ) على الباب . وفي البعد الفلسطيني تقاسي غزة من النزاع المستعر بين السلطة أو فتح وبين حماس ، وفي البعد المصري هي ضحية عداء النظام للإخوان المسلمين الذين يرى حماس جزءا منهم ، وتعامله معها تعامل ضرورة لا تعامل توافق وانسجام . في هذا الواقع المعقد نعود إلى السؤال : ما المخرج ؟! لا مخرج كاملا ، والمخرج شبه المتاح على صعوبته أن تهتدي السلطة ممثلة في فتح إلى نقطة تلاقٍ تصل اللحمة بين الضفة وغزة بكيفية تلائم الحال الفلسطيني الواقع في مجمله في قبضة الهيمنة الإسرائيلية ، وأن تعي مصر أن صلتها الوطنية والقومية بغزة أكبر من خلافها مع الإخوان المسلمين ، وأن التعامل مع غزة من خلال جهاز المخابرات ينافي هذه الصلة الوطنية والقومية كل المنافاة . وفي كل الأحوال من الحكمة أن نجنب غزة حربا رابعة تلحق بها خسائر كبيرة في الأرواح والعمران ، قالت صحيفة أوروبية لو أن منظومة صحية في دولة أوروبية اضطرت للتعامل مع مصابي مسيرة العودة الذين يقارب عددهم الآن 15 عشر ألفا لانهارت ، فكيف بمنظومة غزة الصحية المنهارة منذ أحد عشر عاما ؟! وينبغي أن يكون سلوكنا محكوما بقناعة خلاصتها أن صراعنا مع عدونا طويل نحتاج فيه إلى نفس يلائمه طولا ، ومن شروط هذا النفس أن تكون حياة الناس في غزة مريحة بدرجة إنسانية يمكن تقبلها ومواصلتها .


التعليقات : 0