لتغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي

"غزة الجديدة".. خطة لإعادة الإعمار أم هندسة استعمارية لشطب الحقوق الفلسطينية؟

تقارير وحوارات

غزة/ أحمد حمدي:

تواجه خطة مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصهره، جاريد كوشنر، معضلات بشأن واقعية تنفيذها وأهدافها الحقيقية، فبدت أبعد من مشروع إعادة بناء، وأقرب إلى رؤية شاملة لإعادة هندسة الجغرافيا والديمغرافيا، بل وإعادة تعريف غزة من جديد، بعيدًا عن تاريخ سكانها الحضاري وحقوقهم المشروعة.

 ويرى محللون سياسيون فلسطينيون، أن خطة كوشنر التي عرضها في منتدى دافوس الاقتصادي غير منطقية ولا يمكن تنفيذها على أرض الواقع، كونها تهدف إلى تكريس واقع سياسي وجغرافي جديد، يُقدّم فيها إعادة الإعمار كفرصة اقتصادية تاريخية، لكنها في جوهرها تعمل على تغييب السياسة، وإعادة رسم المكان والإنسان، وتحويل القضية الفلسطينية إلى مشروع استثماري طويل الأمد.

يقول الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم: "إن تطبيق الخطة بذات الطرح سيواجه إشكاليات وتحديات كبيرة، لأنه سيخضع للمواصفات الأمريكية بوصفه مشروعًا استثماريًا يتناقض مع تاريخ المدينة وحضارتها الممتدة وثقافة سكانها".

وأضاف إبراهيم في حديثه لـ"الاستقلال"، أن الفلسطينيين يريدون إعادة الإعمار وبناء ما هدمته آلة الحرب الإسرائيلية، لكن ما هو مطروح حاليًا يمكن قراءته كمشروع اقتصادي طويل الأمد ينكر أي حق فلسطيني في الخلاص من الاحتلال والعيش بكرامة.

واعتبر المختص في الشأن الفلسطيني أن الخطة تهدف إلى تغيير الديمغرافيا والجغرافيا الفلسطينية ولا تعطي العدالة للفلسطينيين بحقهم في السيادة على أرضهم وممتلكاتهم وثرواتهم، وتحرمهم من العودة إلى أماكنهم التي نزحوا منها بقوة السلاح.

كما لفت إبراهيم إلى أن الخطة الجديدة تحرم الغزيين من ممارسة حقوقهم السياسية والاقتصادية، وتعمل على تفتيت النسيج والروابط الاجتماعية، وتغيّر من التركيب السكاني وتؤدي إلى تفكيك المجتمع، مشيراً إلى أن الخطة بهذه الطريقة تمثل جزءًا من تفريغ القطاع من سكانه، لأن مشروع التهجير بحسب الرؤية الأمريكية والإسرائيلية ما زال قائمًا.

وشدد إبراهيم على أن ما تخفيه الخطة من معالم غير واضحة يمثل خطورة في بناء مدن إنسانية لا تُعرف ماهية بنائها ومدى ديمومتها، لتبدأ من أقصى جنوب قطاع غزة ثم تصبح أمرًا واقعًا مفروضًا على الفلسطينيين يعمم في جميع أنحاء القطاع.

 

وبين أن أهم المخاطر السياسية التي تطرحها "خطة غزة الجديدة" هو التعامل مع الدمار الهائل في القطاع باعتباره فرصة استثمارية بدل كونه جريمة تستوجب المحاسبة والمسائلة على جرائم الإبادة والتدمير الممنهج.

ورغم محدودية البدائل أمام الفلسطينيين، بيّن إبراهيم أنه بالإمكان خلق بدائل فلسطينية عن الخطة المطروحة، عبر دعم اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة، خاصة في مجالات إعادة التعافي في القطاعات الحيوية والخدمية والمدنية.

تماهي مع الاحتلال

بدوره، أكد الكاتب والمختص في الشأن الفلسطيني خليل القصاص، أن خطة جاريد كوشنر عضو مجلس السلام المشكل مؤخرًا، مصممة تمامًا بحسب المقاييس الأمريكية والإسرائيلية، وهي ذات أبعاد أمنية تؤسس للرقابة الكاملة على سكان القطاع والسيطرة عليه إداريًا عبر التحكم في شؤون الغزيين، فضلاً عن تسويق مفاهيم التعايش في ما يسمى ب "غزة الجديدة".

وقال القصاص في حديثه لـ"الاستقلال": "إن الخطة تتسق بشكل كامل مع طموحات الاحتلال المعلنة لليوم التالي للحرب، عبر تحويل ملف إعادة الإعمار إلى أداة لإدارة ما بعد الحرب لا إنهائها".

وأضاف القصاص أن الخطة تهدف إلى فصل قطاع غزة تمامًا عن الجغرافيا الفلسطينية عبر تسويقه استثماريًا كدولة منفصلة ومنزوعة السيادة حتى على المعابر والحدود.

وأوضح أن الخطة الأمريكية تتماهى في جوهرها مع رؤية الاحتلال في الانقلاب على اتفاقية المعابر المبرمة عام 2005، عبر طرح الوجود الإسرائيلي في كل مداخل القطاع ومخارجه، والتحكم في حركة السكان وتشجيع مشاريع التهجير القسري والطوعي.

وشدد القصاص على أن الخطة تهدف إلى محاولة إعادة صياغة الواقع السياسي والميداني في قطاع غزة، عبر سياسة الإخضاع والتحكم، وتفتيت القضية الفلسطينية إلى ملفات اقتصادية وإدارية، مع تغييب القضايا الجوهرية كحق عودة اللاجئين، والأسرى، والسيادة الوطنية.

كما أشار الكاتب إلى أن الخطة تربط بين ملف إعادة الإعمار وابتزاز الفلسطينيين في مسألة تفكيك المقاومة، وعبر مطالبات بنزع سلاحها كجزء من مشروع إنهاء قدراتها الردعية والتحكم في مصير الفلسطينيين.

وبحسب القصاص، فإن الخطة الأمريكية الجديدة تُغرق غزة بلغة الاستثمارات، فيما تغيّب المطالب الفلسطينية بضرورة محاسبة قادة الاحتلال وجنوده عما ارتكبوه من جرائم الإبادة الجماعية، متجاوزة فكرة المحاسبة، فضلاً عن أنها تتعامل مع الدمار كصفحة طُويت وانتهت.

وما بين وعود الإعمار وأسئلة السياسة، يُجمع الفلسطينيون على أن أي مسار لإعادة الإعمار، حتى وإن جاء برعاية دولية أو أميركية، يمكن تنفيذه في حال شكّل فرصة حقيقية لتحسين الظروف المعيشية للسكان، شريطة عدم المساس بالحقوق السياسية والإنسانية للفلسطينيين، ووجود آليات واضحة للتنفيذ والرقابة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق