على ضوء الهاتف… حياة كاملة تُدار في عتمة غزة

على ضوء الهاتف… حياة كاملة تُدار في عتمة غزة
تقارير وحوارات

غزة/ دعاء الحطاب:

مع غروب الشمس في قطاع غزة، لا يحل الليل تدريجياً كما بقية الأماكن، بل يسقط دفعة واحدة، تختفي ملامح الطرقات، وتغرق الخيام والمنازل في ظلام دامس، لا يقطعه سوى ضوء خافت ينبعث من هواتف محمولة، تحولت إلى "مصابيح اضطرارية" تُنير حياة السكان.

فمع استمرار انقطاع الكهرباء بشكل كامل، منذ بداية الحرب على القطاع في السابع من أكتوبر/ تشرين الثاني 2023م، وعدم توفر البدائل، يبقي الهاتف المحمول بضوئه الخافت الخيط الأخير الذي يربط العائلات بقدرتها على الاستمرار، في ليل يبدو بلا نهاية، فالضوء لم يعد أمراً بديهياً، بل مورداً نادراً يُدار بحذر شديد.

"الجهاز الخارق"

في إحدى زوايا خيمتها المهترئة، تُمسك أم فادي الأسطل (40 عاما)، بهاتفها المحمول وتوجه ضوءه الخافت نحو دفتر ابنها، في محاولة لمساعدته على إكمال واجباته المدرسية.

وتقول الأسطل وعيونها تُحدق بطفلها الوحيد:" والله خايفة على نظره بس مش طالع بإيدنا اشي، حياتنا صارت كلها عتمة، ما في كهرباء ولا بطاريات ولا أي وسيلة اضاءة، ما ضل عنا غير ضو الجوال، لولاه لعجزنا".

وتتابع خلال حديثها لـ" الاستقلال": "الجوال صار أهم شيء بحياتنا، فلم يعد مجرد وسيلة اتصال عادية، صار للدراسة ومتابعة الاخبار وللشراء والدفع الالكتروني، والآن صار مصباحنا الوحيد، خاصة في ساعات الليل الطويلة"، واصفة اياه بأنه "الجهاز الخارق" في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الحياة.

وأضافت بنبرة عجز: "رغم إضاءة الجوال الخافتة الا إنها نعمة، تساعدنا على الحركة والرؤية نوعا ما، لهيك خايفين الجوال يخرب و ننحرم حتى هذا الضوء"، مشيرة إلى أن  شحن الجوال واستخدامه بشكل مستمر، استنزف بطاريته وجعلها تفقد الشحن بسرعة.

ونوهت إلى أن "شحن الجوال أصبح تحدياً بحد ذاته، فنحن نوفر البطارية فقط للحظات الضرورية، وغالباً نضطر لإطفائه للحفاظ على الشحن".

ولفتت إلى أن شحن الهاتف يحتاج لميزانية خاصة، حيث تحتاج 2 شيكل لشحنه مرة واحدة يومياً، اي ما يعادل 14 شيكل أسبوعياً، مما يشكل عبء مادي مضاعف عليهم في ظل غلاء المعيشة وعدم توفر فرص عمل. 

وأوضحت أنه مع تراجع توفر الوقود وندرة وسائل الإضاءة البديلة وارتفاع أسعارها بصورة جنونية، أصبح الجوال أداة أساسية في حياة كل غزي، رغم محدودية قدرته حيث لا يوفر سوى إضاءة ضعيفة لا تكفي لتغطية الاحتياجات اليومية.

"ملاذنا الوحيد"

وعلى بعد كيلومترات، في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، يجلس الحاج أبو علي النواس (65 عاما) على كرسي بلاستيكي أمام خيمته المتواضعة، يواجه الظلام الذي يبتلع المكان بطريقته الخاصة.

فمنذ أن فقد " النواس" أخر وسيلة إضاءة لديه- بطاريه كان يعتمد عليها - لم يعد قادراً على التأقلم مع عتمة الخيمة، فاختار أن يستأنس بالضوء الخافت المنبعث من مخبز مجاور له، ليُصبح ملاذه الوحيد كل مساء.

ويقول خلال حديثه لـ" الاستقلال"، وهو يشير إلى الضوء البعيد:" بمجرد ما تغيب الشمس، بطلع انا والحجة بنقعد هون، يمكن نستأنس بهالضو، داخل الخيمة ما بنشوف اشي".

بالنسبة له، لا يقتصر الأمر على الظلام فقط، بل على ما يتركه من أثر مضاعف، مضيفاً بصوته المتعب:" الحياة بالعتمة قاسية كتير، خاصة على كبار السن، احنا أصلاً نظرنا ضعيف، كيف لما نقعد بالساعات في الظلام؟ بنصير ما نشوف أبداً".

وأوضح أن عائلة ابنه المكونة من سبعه أفراد، وتقطن معه بذات الخيمة، يتشاركون هاتفا واحداً، ويتناوبون عليه لتيسير شؤونهم اليومية سواء "دراسة، تحضير طعام، الذهاب للمرحاض، إنجاز مهمه معينة"، حتى أصبح ملاذنا الوحيد بزمن العتمة، لافتاً إلى أن ثلاثة من جولات العائلة تعطلوا بسبب الاعتماد الكبير عليهم.

ونوه إلى أن "الهاتف الذي يتعطل لا يمكن اصلاحه أو استبداله بأخر، نظرا للارتفاع الجنوني بأسعار قطع الغيار والجوالات، إذ يتراوح ثمن الجوال المستخدم ما بين (3000 -4000 شيكل)، فيما لا يتوفر أجهزة جديدة.

" ضوء خافت"

ولا يبدو المشهد داخل المنازل المتصدعة أفضل حالاً من الخيام، فرغم اختلال الأماكن تبقي فصول المعاناة واحدة.

ففي منزل مدمر جزئياً، سقفه من "الزينكو"، و جدرانه متصدعة، نوافذه مغطاة بقطع قماش بالية، تحجب أي محاولة لدخول الضوء، تُحاول المواطنة أم ياسر الأشقر (37 عاماً)،  أن تصنع شيئًا يشبه الحياة داخل مساحة يغلب عليها الظلام.

فمع اندثار أخر شعاع نور، تجلس "الأشقر" داخل غرفة صغيرة، محاطة بأطفالها الخمسة، فيما يتوسطهم هاتف محمول يوزّع ضوءه الخافت بالتساوي.

وتقول الأشقر خلال حديثها لـ "الاستقلال":"هنا لم يعد الضوء رفاهية، بل معركة يومية نخوضها بكل ما توفر لدينا، حتى لو كان مجرد "ضوء هاتف".

وتتابع بغضب:" من بداية الحرب حياتنا جحيم، أتفه الأمور تتطلب منا جهد ومعاناة كبيرة"، مضيفة:" في البداية كنا نستخدم البطاريات للإضاءة، ونمشي مسافات طويلة عشان نشحنها، كان في شوية ضوء نعيش عليه، لكن للأسف حتى هذا الضوء لم يدم".

وأضافت:" مع الغلاء اختفت كل وسائل الإضاءة وصرنا نعيش بظلام دامس، واليوم لم يبق سوى الجوال، كل يوم بنشحنه، وبنحافظ عليه كأنه كنز، ما بنستخدمه الا للضرورة عشان توفره لليل".

وأوضحت أنها كباقي الأمهات، تسابق الوقت لإنجاز كل ما يمكن إنجازه قبل حلول الظلام، فمع الغروب تنكمش الحياة داخل مساحة ضيقة مضاءة بهاتف واحد، لافته إلى أن أبنائها لا يمكنهم متابعة دروسهم بالليل بسبب العتمة، فلا وقت أمامهم سوا ساعات النهار، مما أثر سلبا على مستواهم التعليمي.

وأردفت: "منتصف الليل تنفذ بطارية الجوال، ونضطر للنوم على العتمة، وهان الاختبار الأصعب، فالأطفال بخافوا ونستيقظ على صراخهم وبكائهم، ونحن لا نستطيع فعل شيء".

وتختصر الأشقر الواقع بقولها "صرنا نحسب كل دقيقة ضو مش وقت، فهاتف صغير يحمل على عاتقه مهمة إنارة حياة كاملة".

التعليقات : 0

إضافة تعليق