غزة / معتز شاهين:
تتواصل التصريحات الإسرائيلية بشأن توسيع نطاق السيطرة العسكرية داخل قطاع غزة، في خطوة يراها مختصون جزءاً من مسارٍ متدرج لفرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض، بالتوازي مع استخدامها كورقة ضغط في المفاوضات الجارية للانتقال الى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
وتشير تقديرات ميدانية إلى أن الحديث عن السيطرة على نحو 70% من القطاع يأتي امتداداً لسياسة توسع تدريجي بدأت منذ أشهر، في ظل ترابط واضح بين التحركات العسكرية والحسابات السياسية، إلى جانب الدور الحاسم للموقف الأمريكي في رسم سقف هذه السياسات.
ويرى محللون في حديثهم مع صحيفة "الاستقلال" أن هذه التصريحات، رغم طابعها التصعيدي، تحمل أبعاداً سياسية موجهة للداخل الإسرائيلي وللوسطاء الدوليين، أكثر من كونها خططاً قابلة للتنفيذ الفوري، خصوصاً في ظل التعقيدات الميدانية وعدم حسم أهداف الحرب.
ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار القصف والاغتيالات في قطاع غزة، واتساع نطاق الدمار والنزوح، إضافة إلى تعثر تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار، وسط حراك دبلوماسي متجدد لإعادة إحياء المفاوضات.
وأصدر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تعليمات لجيش الحرب تقضي بتوسيع نطاق السيطرة على مزيد من أراضي قطاع غزة، وصولاً إلى ما وصفه بالاستحواذ على نحو 70% من مساحة القطاع، حيث يتركز السكان في شريط ساحلي ضيق نتيجة الحرب المستمرة.
وأكد نتنياهو في تصريحات متكررة أن الجيش يسيطر حالياً على أكثر من 60% من القطاع، مشيراً في كلمة ألقاها خلال مؤتمر عُقد في مستوطنة بالضفة الغربية المحتلة إلى أن هذا التوجه سيُنفذ بشكل تدريجي.
وتفيد معطيات ميدانية بأن الاحتلال يفرض سيطرته الفعلية على نحو 64% من مساحة غزة، في ظل حرب متواصلة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تسببت في دمار واسع للبنية التحتية وتهجير مئات آلاف الفلسطينيين، ضمن ما يُعد من أكبر الكوارث الإنسانية في المنطقة.
ووجهت مصر دعوة عاجلة للفصائل الفلسطينية، بما فيها حركة حماس، لحضور اجتماع طارئ يُعقد في القاهرة الأربعاء المقبل، وأوضحت المصادر أن الاجتماع يأتي ضمن جهود مصرية مكثفة لكسر الجمود في مفاوضات المرحلة الثانية من اتفاق غزة، وسط اتصالات عربية ودولية لتفادي انهيار الوضع في القطاع.
وتأتي هذه التحركات في ظل تعثر المفاوضات الخاصة بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، حيث تواصل مصر دورها الوسيط لدعم التهدئة وترتيبات ما بعد الحرب، بما يشمل الإدارة المدنية وإعادة الإعمار.
سيطرة متدحرجة
يرى الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي د. عدنان الأفندي، أن تصريحات نتنياهو بشأن توسيع السيطرة إلى نحو 70% من قطاع غزة تعكس توجهاً لفرض واقع ميداني جديد، وليس مجرد تصعيد سياسي أو ورقة ضغط قبيل مفاوضات محتملة في القاهرة.
وأوضح الأفندي لـ"الاستقلال" أن هذه التصريحات تأتي بعد نقاشات داخل المجلس الوزاري المصغر حول توسيع العمليات البرية، رغم عدم صدور أوامر تنفيذية رسمية حتى الآن، وفق ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية.
وأشار إلى أن إسرائيل تواصل منذ أشهر توسيع مناطق نفوذها داخل القطاع عبر ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، ما يجعل الحديث عن نسب جديدة امتداداً لمسار ميداني متدرج وليس تحولاً مفاجئاً.
ويرى الأفندي أن توقيت التصريحات يرتبط بالتحركات السياسية الجارية، إذ يمكن توظيفها في الضغط خلال أي مفاوضات مرتقبة، إلى جانب محاولة تثبيت وقائع يصعب التراجع عنها لاحقاً بما يتيح فرض ترتيبات أمنية أوسع داخل القطاع.
ويضيف أن هذه السياسات قد تعكس أيضاً قراءة إسرائيلية للمتغيرات الإقليمية، ومحاولة لتثبيت مكاسب ميدانية قبل أي ضغوط دولية محتملة.
ويحذّر المختص في الشأن الإسرائيلي من أن توسيع نطاق السيطرة سيؤدي إلى تفاقم الوضع الإنساني، في ظل الدمار الواسع الذي يجعل المناطق المستهدفة غير صالحة للحياة، ما يزيد من موجات النزوح وقد يساهم في تغييرات ديموغرافية قسرية داخل القطاع.
مظلة أمريكية
من جهته، يؤكد المختص في الشأن الإسرائيلي د. عمر جعارة أن أي تحرك إسرائيلي واسع في قطاع غزة يبقى مرتبطاً بشكل مباشر بالموقف الأمريكي، معتبراً أن غياب الغطاء الأمريكي يجعل تنفيذ مثل هذه الخطط غير ممكن عملياً.
ويضيف أن تصريحات نتنياهو بشأن توسيع السيطرة قد تُستخدم ضمن أدوات الضغط التفاوضي أو لأهداف سياسية داخلية، في ظل التوترات والانقسامات داخل المشهد السياسي الإسرائيلي.
كما يشير إلى أن رئيس الحكومة يسعى إلى تعزيز صورته بقدرته على إدارة الحرب وتحقيق إنجازات أمنية، في وقت لم تتمكن فيه إسرائيل من حسم أهدافها المعلنة منذ بداية العمليات.
ويرى جعارة أن استمرار العمليات العسكرية لم يحقق نتائج استراتيجية حاسمة في غزة أو على جبهات أخرى، ما يعكس محدودية القدرة على فرض تغيير جذري في الميدان.
ويؤكد أن مستقبل القطاع سيبقى مرتبطاً إلى حد كبير بالموقف الأمريكي، باعتباره العامل الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاهات الحرب ومسار المفاوضات خلال المرحلة المقبلة.
ويختم بالإشارة إلى أن تصريحات نتنياهو تحمل رسائل سياسية وتفاوضية متعددة الاتجاهات، لكنها في الوقت ذاته تعكس استمرار العجز عن حسم المسار العسكري رغم التصعيد المستمر.
أوامر السيطرة على 70% من غزة.. هل تمهد إسرائيل لابتلاع ما تبقى من القطاع؟
رأي الاستقلال


التعليقات : 0