الخط البرتقالي في غزة.. تمدد ميداني أم مقدمة لواقع جديد؟

الخط البرتقالي في غزة.. تمدد ميداني أم مقدمة لواقع جديد؟
تقارير وحوارات

غزة / معتز شاهين:

يتصاعد المشهد الميداني في قطاع غزة مع استمرار خروقات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار، في ظل تحركات إسرائيلية تُعيد رسم خطوط السيطرة داخل القطاع عبر ما يُعرف بـ”الخط البرتقالي” الذي يتقدم تدريجياً داخل “الخط الأصفر”.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تتجاوز إطار العمليات العسكرية التقليدية، لتندرج ضمن سياسة إسرائيلية ممنهجة تقوم على فرض وقائع ميدانية جديدة وإعادة رسم خرائط النفوذ داخل غزة، بما يكرّس معادلات أمنية وجغرافية يصعب التراجع عنها مستقبلًا.

كما أجمع هؤلاء المراقبون في أحاديث منفصلة مع “الاستقلال”، أمس الأحد، على أن استمرار تغيير الخطوط الميدانية قد يفتح الباب أمام توظيف هذه الوقائع كأدوات ضغط في أي مسار تفاوضي مستقبلي، سواء عبر فرض مناطق عازلة أوسع، أو إعادة هندسة الواقع السكاني بما يخدم اعتبارات أمنية طويلة المدى.

ومنذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار، يواصل جيش الاحتلال العمل على إزاحة “الخط الأصفر” وترسيم “الخط البرتقالي” إلى مناطق أعمق داخل قطاع غزة، تحت غطاء عمليات حفر وتجريف واسعة، ترافقها عمليات إطلاق نار وقصف مدفعي وجوي، ما أسفر عن ارتقاء عشرات الشهداء والجرحى.

وأدت هذه الخروقات المتكررة للاتفاق إلى نزوح عشرات العائلات الفلسطينية من منازلها وخيامها باتجاه المناطق الغربية، خصوصاً في مدينة خان يونس جنوب القطاع، وشرق حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، وبلدة جباليا شمالاً.

والجمعة، قال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن الاحتلال وسّع نطاق وجوده في قطاع غزة عبر ما يُعرف بـ”الخط البرتقالي” الواقع داخل “الخط الأصفر” الذي انسحب إليه ضمن المرحلة الأولى من خطة إنهاء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وأوضح دوجاريك أن لدى الأمم المتحدة خرائط تتضمن هذا الخط، وقد تم إبلاغ كوادرها الإغاثية بضرورة تنسيق تحركاتها مسبقاً مع "إسرائيل" عند تجاوزه، مشيراً إلى أن ذلك يعكس اتساع مناطق الخطر ويثير قلقاً بشأن سلامة العمليات الإنسانية. وأضاف أن هذه التطورات تُعد مؤشراً على أن الأوضاع “لا تسير في الاتجاه الصحيح”.

الحرب النفسية

من جهته اعتبر الكاتب والمحلل السياسي سعيد أبو رحمة استحداث الاحتلال لما يُعرف بـ”الخط البرتقالي” داخل قطاع غزة يأتي في إطار ـ”الحرب النفسية” الهادفة إلى تعميق حالة الإرباك وعدم الاستقرار لدى السكان، وإبقاء الواقع الميداني مفتوحاً على احتمالات متغيرة باستمرار.

وأوضح أبو رحمة لـ"الاستقلال"، أن تعدد الخطوط وتغييرها بشكل متكرر يحمل رسالة مفادها أن التهدئة أو التفاهمات القائمة ليست ثابتة، وأن "إسرائيل" تستخدم هذه الخطوط أيضاً كورقة تفاوضية مستقبلية قد تتيح لها التراجع من مناطق معينة مع الإبقاء على “الخط الأصفر” كأمر واقع، بما يوسع من نطاق المناطق العازلة داخل القطاع.

وأضاف أن ما يجري يتجاوز كونه ترتيبات أمنية مؤقتة مرتبطة بالحرب، دون أن يصل إلى مستوى إعادة احتلال شامل لقطاع غزة، مشيراً إلى أن "إسرائيل" تسعى لتجنب أعباء إنسانية وأمنية واقتصادية كبيرة، في مقابل توجهها نحو إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والأمني عبر تقليص المساحات القابلة للحياة وإعادة توزيع الكثافة السكانية.

وفي ما يتعلق بالحركة السكانية، أكد أبو رحمة أن الضغط على السكان للتوجه نحو مناطق محددة، خاصة في غرب القطاع، يُعد أحد الأهداف غير المعلنة لهذه السياسة، إذ يؤدي التوسع الميداني إلى تضييق المساحات المتاحة للسكان ودفعهم نحو التكدس في مناطق بعينها، ما يمنح "إسرائيل" قدرة أكبر على التحكم بالحركة السكانية.

وأشار إلى أن تغيير الخطوط بشكل متكرر يهدف كذلك إلى توجيه رسائل سياسية ونفسية، مفادها أن الوضع الميداني غير مستقر وأن "إسرائيل" قادرة على فرض وقائع جديدة تدريجياً، إلى جانب اختبار ردود الفعل الدولية والإقليمية تمهيداً لتثبيت بعض هذه الوقائع ضمن ترتيبات ما بعد الحرب.

 

"جس نبض"

وتعتقد الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة ظهور ما يُعرف بـ”الخط البرتقالي” إلى جانب “الخط الأصفر” داخل قطاع غزة يعكس، محاولة إسرائيلية لاختبار ردود الفعل الفلسطينية والدولية تجاه سياسة “فرض الأمر الواقع” عبر التوسع التدريجي في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وأوضحت عودة لـ "الاستقلال"، أن الخط البرتقالي يشكّل “عملية جس نبض” لمدى قدرة جيش الاحتلال على التوغل داخل القطاع بشكل تدريجي وبأقل خسائر ممكنة، مع تجنب الانخراط في مواجهات مباشرة مع فصائل المقاومة، مشيرة إلى أن هذا المسار يترافق مع عمليات ميدانية تهدف إلى توسيع نطاق السيطرة والبحث عن أنفاق محتملة قرب مناطق التماس.

وترى عودة أن ما يجري حالياً يندرج في إطار إجراءات أمنية مؤقتة مرتبطة بالحرب، قد تمتد لعدة سنوات إلى حين تسليم إدارة القطاع – وفق تصورها – إلى “مجلس السلام”، تمهيداً لمرحلة لاحقة من الترتيبات السياسية، على أن تتولى السلطة الفلسطينية إدارة القطاع لاحقاً.

وأضافت أن هذه الترتيبات تهدف، إلى محاصرة فصائل المقاومة والضغط عليها للتخلي عن سلاحها مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي من القطاع.

وفي ما يتعلق بالتداعيات السياسية، أكدت عودة أن “الخط البرتقالي” قد يتحول إلى ورقة ضغط في أي مفاوضات مستقبلية، خصوصاً مع حركة حماس، محذرة من أن توسع هذا الخط إلى عمق أكبر في القطاع قد يؤدي إلى تصعيد ميداني مباشر بين المقاومة وجيش الاحتلال.

أما بشأن الدور الإقليمي والدولي، أشارت إلى المحللة السياسية إلى إمكانية قيام الوسطاء بتوثيق الانتهاكات ورفعها إلى مجلس الأمن، إلا أن ذلك قد يواجه، بحسب قولها، عقبة الفيتو الأميركي، ما قد يدفع نحو طرح خيار نشر قوات دولية للإشراف على الأرض كجزء من أي تسوية مستقبلية تضمن انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من القطاع.

التعليقات : 0

إضافة تعليق