بين الجوع وتقليص التكيات.. عائلات غزة تلاحق "وجبة النجاة"

بين الجوع وتقليص التكيات.. عائلات غزة تلاحق
تقارير وحوارات

غزة/ دعاء الحطاب:

قبل ساعات الظهيرة بقليل، كانت المواطنة أم محمد النواس(37 عاما) تشد بيد طفلها للوقف وسط طابور طويل أمام إحدى التكيات غرب مدينة غزة، حاملةً بيدها وعاءً بلاستيكيًا فارغًا، وعيناها تراقبان بقلق حركة المتطوعين وهم يوزعون الوجبات على عشرات النازحين المتكدسين في المكان، خشية نفاذ الطعام قبل وصول دورها.

فـ "أم محمد" التى ذاقت ويلات النزوح والجوع مراراً وتكراراً منذ بداية الحرب، لم تعد تسأل عن نوع الوجبة التي ستحصل عليها، فالأهم بالنسبة لها أن تعود لخيمتها الصغيرة بما يسد جوع أطفالها الخمسة، بعد أن أصبحت "التكية" المصدر الغذائي الوحيد للعائلة منذ شهور طويلة. 

وتقول بصوتٍ متعب:" أحيانًا بنوقف ساعات طويلة، وفي النهاية بنرجع من غير أكل لأن الكمية بتخلص، واليوم صار الخوف أكبر، الناس بتحكي أنه التكية أيام وحتوقف".

بعيون باكية، تُضيف لـ" الاستقلال":" وجبة التكية صارت شريان الحياة النا وبدونها ما بنلاقي أكل لاطفالنا، إحنا فعليا ما عنا اي بديل، ما في شغل والأسعار نار وحتى لو توفر الطعام ما معنا ثمنه نشتري".

وخلال الأشهر الماضية، تحولت التكيات والمطابخ المجتمعية في قطاع غزة من مبادرات إغاثية مؤقتة إلى شريان حياة حقيقي لعشرات آلاف العائلات التي فقدت مصادر دخلها ومنازلها، حيث باتت تعتمد بشكل شبه كامل على الوجبات المجانية المقدمة لها في ظل اتساع رقعة الجوع وانعدام القدرة على شراء الطعام.

لكن هذا الشريان بدأ يضعف تدريجيًا، مع قرار مطبخ الغذاء العالمي تقليص التعامل مع المطابخ المجتمعية المعتمدة "التكيات"، ووقف توريد البضائع والمواد الغذائية لعدد كبير منها خلال الفترة الأخيرة، نتيجة نقص التمويل، وصعوبة إدخال المساعدات، واستمرار الضغوط الإنسانية المتفاقمة داخل القطاع، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة لدى آلاف العائلات التي باتت ترى في التكية وسيلتها الأخيرة للبقاء.

"حلبة سباق"

 ولا يختلف حال الأربعيني أبو أشرف البغدادي، الذي تحولت حياته- وفق وصفه- إلى "حلبة سباق" خلف وجبة طعام قد تسد جوع أطفاله الثمانية ليوم واحد.

ويقول البغدادي خلال حديثه لـ"الاستقلال": "نعتمد في غذائنا بشكل أساسي على التكية، نُحضر ما يكفي لوجبتي الغداء والعشاء، كي لا نموت جوعاً، لكن للأسف حتى التكيات بدهم يحرمنا منها".

ويتابع بحسرة: " حياتنا صارت عبارة عن حلبة سباق، اي تكية نسمع عنها بنطلع نجري حتى لو على بعد كيلو، واحنا ونصيبنا يا بنرجع بالأكل، يا أطفالنا بناموا جوعانين". 

 ولا تكفي حلة صغيرة من الطبيخ والأرز، عائلة "البغدادي" المكونة من عشرة أفراد، مما يُجبرهم على الاصطفاف مُتفرقين في طابور التكية كي يستطيعون جلب ما يكفي يومهم من الطعام، وفق قوله.

ويضيف: " أوقات لا نحصل إلا على وجبة وحدة، ونضطر إلى تقسيمها على يوم كامل عشان نُسكت جوع الصغار، وبالليل بناموا وهم جوعانين"، مستدرك:" احنا مش خايفين من قلة الأكل، خايفين يجي يوم ما تلاقي فيه التكية نفسها".

وأكد إن مشهد الطوابير الطويلة أمام التكيات أصبح جزءاً يومياً من حياة النازحين، حيث تقف النساء والأطفال لساعات طويلة أملاً بالحصول على وجبة قد لا تكفي أفراد أُسرهم ليوم واحد، فيما يعود عشرات الأشخاص لذويهم بأوعية فارغة.

هندسة التجويع

ومن جانبه، أكد المختص بالشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر، أن نحو 95% من الأسر في قطاع غزة باتت تعتمد بشكل كامل أو شبه كامل على المساعدات الإنسانية، سواء عبر الطرود الغذائية أو الخبز أو التكيات، موضحاً أن "المساعدات أصبحت نهج حياة في غزة بعد تدمير الاقتصاد الحقيقي وغياب فرص العمل والإنتاج".

وبين أبو قمر خلال حديثه لـ "الاستقلال"، أن ما بين 60 إلى 70% من سكان القطاع يعتمدون على التكيات كغذاء أساسي يومي، محذراً من أن أي تقليص في عملها " سيؤدي إلى اتساع المجاعة وزيادة معدلات انعدام الأمن الغذائي، وعدم قدرة آلاف الأسر على تأمين قوت يومها".

 وأوضح أن "المطبخ العالمي" شكّل منذ بداية الحرب جزءاً رئيسياً من منظومة التكيات في غزة، إلا أن الأشهر الأخيرة شهدت تقليصاً واضحاً في كميات الطعام المقدمة وإغلاق عدد من النقاط، إلى جانب تسريح نسبة 40٪ من العاملين، مما انعكس بصورة مباشرة على الأسر النازحة والفقيرة.

ويرى أبو قمر أن الأزمة الحالية لا يمكن فصلها عن عملية "هندسة التجويع" التى ينفذها الاحتلال الإسرائيلي بالقطاع منذ شهور طويلة، بحيث أن عدد الشاحنات التى تدخل إلى القطاع يومياً لا يتجاوز 200 شاحنة، في حين أن البروتوكول الإغاثي ينص على إدخال 600 شاحنة يومياً، بينما تتجاوز الاحتياجات الفعلية للسكان 800 شاحنة يومياً.

كما لفت إلى أن القيود الاسرائيلية المفروضة على دخول المواد الأساسية والمحروقات والوقود، إلى جانب الارتفاع الكبير بأسعار الخضروات والفواكه، يأتي ضمن الحرب الاقتصادية الدائرة بالقطاع.

ومع استمرار تقليص خدمات الطعام المجاني، يخشى آلاف النازحين في غزة من فقدان آخر وسيلة تساعدهم على مواجهة الجوع، في وقت باتت فيه وجبة واحدة يومياً حلماً صعب المنال لكثير من الأسر المنهكة بالحرب والفقر والنزوح.

التعليقات : 0

إضافة تعليق