غزة/ سماح المبحوح:
أكد الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الأردني جلال العبادي أن مسيّرات حزب الله منخفضة التكلفة باتت تشكل تحديًّا متزايدًا أمام المستوى العسكري والأمني والسياسي لدى دولة الاحتلال الإسرائيلي، بعدما تحولت تلك الطائرات الصغيرة إلى سلاح فعَّال في حرب جنوب لبنان.
وقال العبادي في حديثه لـ "الاستقلال" الترسانة العسكرية الإسرائيلية المدججة بأحدث المنظومات الدفاعية لم تعد قادرة على حماية جنودها من مسيرات لا تتجاوز تكلفتها بضع مئات من الدولارات" مضيفا:" رغم أن هذه الطائرات لا تتجاوز تكلفة الواحدة منها 200 دولار، فإنها أصبحت قادرة على اختراق أنظمة دفاع متطورة، ما يفرض معادلات جديدة في ساحات القتال الحديثة.
وأفادت قناة "كان" الإسرائيلية، مؤخرا، بمقتل ضابط عسكري إسرائيلي في جنوب لبنان، بفعل مسيرة محملة بالمتفجرات.
ووفقا للجيش، فإن الضابط الذي تم تحديده على أنه ماعوز إسرائيل ريكاناتي (24 عاما) كان قائدا في لواء جولاني للمشاة.
ووفق القناة فإن ريكاناتي قتل عندما ضربت طائرة مسيرة محملة بالمتفجرات أطلقها "حزب الله" ضد القوات الإسرائيلية العاملة في قرية دير سريان بالقرب من نهر الليطاني في منطقة أمنية تخضع للسيطرة الإسرائيلية في جنوب لبنان.
ونقلت "هيئة البث الإسرائيلية" عن مصدر أمني قوله أن نشر شبكة حماية في جنوب لبنان بهدف تقليص خطر إطلاق المسيرات غير كاف.
وأشار المصدر إلى أن الجيش الإسرائيلي لن يتمكن من وقف هجمات المسيرات والصواريخ حتى وإن احتل جنوب لبنان بالكامل، مؤكداً على ضرورة تحقيق اختراق سياسي إلى جانب الحفاظ على ما وصفه بـ"هيبة الردع" من أجل تغيير الواقع في جنوب لبنان.
وتابع:" إن عبقرية هذه المسيّرات تكمن في بساطتها التقنية التي تحايلت على أعقد أنظمة الحرب الإلكترونية، لذلك إسرائيل لن تفلح على المدى المنظور على محاربتها".
وشدد على أن ملامح العجز بدأت تظهر بوضوح في التقارير الإسرائيلية، فقد اعترفت مصادر أمنية أنه لا يوجد حل ناجح بشكل كامل لهذه المسيّرات، لذلك باتوا يقدمون نصائح لجنودهم بالاحتماء فقط"، مشيرا إلى أن مثل هذه النصائح والتصريحات تعكس سقوط هيبة التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية أمام الابتكار والتطور الميداني للمقاومة.
وأوضح أن حزب الله استخدم هذه المسيّرات لضرب إصبع الجليل والنبطية وصفد ومدن أخرى قريبة من الحدود، لكنه نفذ هجوما استثنائيا الخميس الماضي عندما ضرب رأس الناقورة شمال "إسرائيل" بواحدة من هذه المسيّرات.
ويرى أن الحرب غير النظامية لا تهدف إلى حسم سريع، بل إلى إنهاك الخصم تدريجيًّا، ومن الممكن أن استخدام المسيرات بذكاء قد يغير ميزان القوى في النزاعات غير المتكافئة، خصوصًا مع قدرتها على استنزاف الجيوش التقليدية نفسيًّا وعسكريًّا.
مواصفات المسيّرات
ولفت الخبير العسكري أن هذه المسيّرات تنتمي لعائلة طائرات إف بي في (FPV) وهي اختصار لمصطلح (First Person View) أي رؤية الشخص الأول- وهي في الأصل طائرات مدنية مخصصة للسباقات والترفية، لكن جرى تطويعها عسكريا لتصبح قذائف انتحارية دقيقة.
وأوضح أن حزب الله استخدم تقنية التحكم بالألياف الضوئية للتحكم بالمسيّرة، فهذا الخيط الرفيع والمتين يربط المسيّرة بالمشغل مباشرة، مما يعني أن الأوامر لا تنتقل عبر الراديو بل عبر الضوء، وهو ما يجعل التشويش الإلكتروني الإسرائيلي بلا قيمة؛ فلا يمكن للحرب الإلكترونية قطع الاتصال بين الطائرة وموجهها.
وبين أن صغر حجم المسيّرة وصناعتها من مواد "الفايبر" أو ما تعرف بـ(الألياف الزجاجية) بدلا من المعدن، يجعل بصمتها الرادارية شبه معدومة، إذ أن الرادارات المصممة لرصد الطائرات والصواريخ الكبيرة تعجز عن التقاط "جسم صغير صامت" يشبه الطيور في حجمه.
ووفق الخبير فإن مسيّرات تحلق على ارتفاعات منخفضة جدا (تتراوح بين متر و4 أمتار)، وهي منطقة عمياء بالنسبة لمنظومة القبة الحديدية وصواريخ الاعتراض، التي صُممت للتعامل مع أهداف عالية وسريعة، وبينما لا تتجاوز تكلفة المسيّرة الواحدة قرابة 200 دولار، فإن عملية محاولة اعتراضها الفاشلة تكلف عشرات آلاف الدولارات، فضلا عن الخسائر الاستراتيجية في الأرواح والعتاد التي توقعها في المواقع المستهدفة.
في السياق، قال رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إنّ التعامل مع المسيّرات التي يستخدمها "حزب الله"، ولا سيّما المسيّرات العاملة بالألياف، يحتاج إلى صبر وإجراءات دفاعية متواصلة، في ظلّ تصاعد القلق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من هذا التهديد.
وخلال جلسة لحكومة الاحتلال قبل أيام، أشار نتنياهو إلى أنّه حذر قبل ست سنوات، في اجتماع للمجلس الوزاري المصغر، "الكابينيت"، من خطر المسيّرات المتفجّرة، معتبرًا أنّها قد تُستخدم في "عمليات اغتيال ضد شخصيات"، قبل أن يتوسّع استخدامها لاحقًا في ساحات القتال.
وأضاف أنّ الحرب في أوكرانيا عززت قناعته بإمكان استخدام المسيّرات على نطاق واسع في "ساحة المعركة الإسرائيلية"، كاشفًا أنّه طلب من الجيش إقامة "مظلّات حماية" فوق الدبابات، في محاولة للحدّ من قدرة هذه المسيّرات على استهداف الآليات العسكرية.
وتأتي تصريحات نتنياهو في وقت تشير فيه المعطيات الإسرائيلية إلى مقتل نحو 20 جنديّا وضابطا بنيران مسيرات "حزب الله"، منذ استئناف الحرب مطلع آذار/مارس الماضي. ورغم ذلك، ادّعى نتنياهو أنّ الجيش ووزارة الأمن "أحبطا مئات، وربما آلاف محاولات الاستهداف" بواسطة المسيّرات والطائرات من دون طيّار منذ بدء الحرب، قائلًا إنّ إسرائيل "تنجح في التصدي لكل تهديد جديد."
وفي 17 أبريل/نيسان الماضي، بدأت هدنة لمدة 10 أيام بين "إسرائيل" و"حزب الله"، جرى تمديدها حتى 17 مايو/أيار الجاري، غير أن الاحتلال يواصل خرقها يومياً بقصف يخلف قتلى وجرحى، فضلاً عن تفجيرات واسعة لمنازل في عشرات القرى بجنوب لبنان.


التعليقات : 0