"مفاوضات القاهرة".. هل ينجح الوسطاء في كسر الجمود؟

تقارير وحوارات

غزة / معتز شاهين:

تشهد القاهرة مجدداً حراكاً سياسياً ودبلوماسياً متسارعاً لدفع مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة نحو تفاهمات جديدة، في ظل تباين في التقديرات بشأن فرص تحقيق تقدم، بين من يترقب مؤشرات إيجابية قد تفضي إلى اختراق في الملفات العالقة، ومن يرى أن المعطيات الحالية تعكس استمرار حالة الجمود. وفي هذا السياق، تتباين قراءات الخبراء والمحللين حول مآلات الجولة الحالية، إذ يشير بعضهم إلى إمكانية تحقيق تقدم ملموس مقارنة بالجولات السابقة، مستندين إلى تصاعد جهود الوسطاء، وتنامي المؤشرات الدولية الداعمة لمسار التهدئة. في المقابل، يذهب آخرون إلى قراءة أكثر تحفظاً، مستبعدين حدوث اختراق قريب، في ظل استمرار الخروقات الميدانية وتعثر الملفات الجوهرية، وغياب مؤشرات جدية على استعداد الأطراف الأساسية لتقديم تنازلات مؤثرة، ما يبقي فرص التقدم محدودة في المرحلة الراهنة. وكشفت مصادر فلسطينية ومصرية أن اجتماع قادة فصائل المقاومة الذي عُقد السبت في العاصمة المصرية القاهرة لم يحقق تقدماً يُذكر، في ظل تباين واضح في المواقف بشأن ملف السلاح، ولا سيما البند الثامن من الورقة التفاوضية المطروحة. وأوضحت المصادر أن حركة حماس لا ترفض مبدأ التعامل مع ملف السلاح، لكنها تشترط تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بشكل كامل، إلى جانب ترتيبات ميدانية تتعلق بإنهاء وجود مجموعات مسلحة تابعة للاحتلال داخل القطاع، قبل بحث أي خطوات مرتبطة بالسلاح. وأضافت أن الوسطاء، بمشاركة مصر وتركيا وقطر، سيواصلون اجتماعاتهم مع الفصائل الفلسطينية، في محاولة للتوصل إلى موقف موحد وتقريب وجهات النظر بشأن الورقة المطروحة للتفاوض. وفي السياق ذاته، أشارت مصادر مصرية إلى طرح مقاربة جديدة للبند المتعلق بالسلاح، تقوم على جدول زمني مرتبط بتنفيذ إسرائيل لالتزامات موازية تشمل الانسحاب والإعمار، في إطار مساعٍ لإحداث اختراق في المفاوضات ومنع انهيار الاتفاق. كما أوضحت المصادر أن التعديلات المصرية المقترحة تتضمن إلزام إسرائيل بوقف الاستهدافات بحق قادة وعناصر المقاومة، إلى جانب إعادة النظر في ترتيبات السيطرة الميدانية داخل قطاع غزة، تمهيداً للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق. ويشارك في اجتماع القاهرة قادة وممثلون عن حركة حماس، وحركة الجهاد الإسلامي، والجبهتين الشعبية والديمقراطية، وتيار الإصلاح الديمقراطي الذي يتزعمه محمد دحلان، ويمثله خلال الاجتماع سمير مشهراوي. فرص نجاح ويرى أستاذ الاتصال السياسي بجامعة 6 أكتوبر، د. حسام فاروق أن جولة المفاوضات الحالية في القاهرة تمتلك فرصاً أكبر لتحقيق نتائج ملموسة مقارنة بالجولات السابقة، في ظل جملة من المعطيات السياسية والإقليمية التي قد تدفع الأطراف نحو استكمال الاتفاق وتجنب العودة إلى الحرب في قطاع غزة. وأوضح فاروق لـ"الاستقلال" أن أهمية الجولة الحالية تنبع من تصاعد الجهود التي يبذلها الوسطاء مع الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس، للحفاظ على مسار التهدئة ومنع انهيار الاتفاق، إلى جانب مؤشرات صادرة عن الولايات المتحدة تفيد بعدم وجود رغبة في العودة إلى التصعيد العسكري، وهو ما يهيئ بيئة أكثر ملاءمة لإنجاح المفاوضات. وأشار إلى أن من أبرز مقومات نجاح هذه الجولة وجود ملفات باتت بحاجة إلى حسم نهائي، فضلاً عن إدراك مختلف الأطراف للمخاطر المترتبة على انهيار الاتفاق أو استئناف الحرب، الأمر الذي قد يدفعها إلى إبداء مرونة أكبر في التعامل مع القضايا الخلافية المطروحة على طاولة التفاوض. ويعتقد فاروق أن الاجتماعات الجارية في القاهرة قد تشكل نقطة فاصلة في مسار المفاوضات، موضحاً أنها ستضع الأطراف أمام خيارات واضحة ومحددة، سواء من خلال التوصل إلى تفاهمات تسمح باستكمال الاتفاق أو عبر كشف الجهة التي تعرقل تنفيذ الاستحقاقات المتفق عليها. وفي ما يتعلق بالحراك السياسي المرافق للمفاوضات، اعتبر فاروق أن مشاركة سمير المشهراوي في لقاءات القاهرة تعكس حضوراً للتيار الإصلاحي في حركة فتح الذي يقوده محمد دحلان ضمن النقاشات المرتبطة بمستقبل قطاع غزة، لافتاً إلى وجود رؤى ومقترحات جديدة قد تسهم في تقديم بدائل أو صيغ توافقية للتعامل مع التحديات القائمة. وأضاف أن الظروف المعقدة التي يمر بها القطاع تتطلب حلولاً سياسية مبتكرة تتجاوز الطروحات التقليدية، مشيراً إلى أن أي مبادرة قابلة للنجاح ينبغي أن تستند إلى توافق وطني فلسطيني ودعم من الوسطاء والأطراف الدولية المعنية. كما شدد على أن نجاح المفاوضات يرتبط بقدرة الفصائل الفلسطينية على توحيد موقفها وتعزيز التنسيق فيما بينها، بما يسهم في حماية الاتفاق ومنع انهياره، إلى جانب التعامل مع الخروقات الإسرائيلية عبر توثيقها وطرحها أمام الوسطاء والجهات الراعية للمفاوضات. وأكد أستاذ الاتصال السياسي أن الوسطاء يمتلكون دوراً محورياً في هذه المرحلة من خلال مواصلة جهودهم لتقريب وجهات النظر والضغط من أجل تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، معرباً عن تفاؤله بإمكانية أن تفضي جولة القاهرة الحالية إلى نتائج أكثر وضوحاً من الجولات السابقة إذا ما توفرت الإرادة السياسية لدى مختلف الأطراف. تفاؤل وتشاؤم وفي مقابل هذا التفاؤل الحذر، قدّم الباحث والكاتب في العلوم السياسية والعلاقات الدولية د. صريح القاز قراءة أكثر تشاؤماً لمسار المفاوضات، مستبعداً أن تنجح جولة القاهرة الحالية في تحقيق اختراق حقيقي أو التوصل إلى نتائج ملموسة، ومعتبراً أن المعطيات القائمة لا تزال ترجح استمرار حالة الجمود السياسي. وأوضح القاز لـ"الاستقلال" أن ما يميز الجولة الحالية عن سابقاتها هو مشاركة نحو سبعة فصائل فلسطينية، الأمر الذي يعزز موقف حركة حماس ويمنحها موقعاً تفاوضياً أقوى خلال أي مباحثات مع الاحتلال الإسرائيلي. إلا أنه رأى أن استمرار الخروقات والانتهاكات الإسرائيلية، إلى جانب عدم الالتزام بفتح المعابر أو الانسحاب من قطاع غزة، ينعكس سلباً على مسار المفاوضات ويزيد من تعقيدها، متسائلاً عن جدوى أي مفاوضات لا تراعي المطالب الفلسطينية وتقتصر على ما وصفه بـ"الشروط التعجيزية" التي يطرحها الاحتلال. واعتبر القاز أن الجولة التفاوضية الراهنة تفتقر إلى مقومات النجاح، مبرراً ذلك بعدم وجود مؤشرات تدل على استعداد إسرائيل للانخراط في عملية سلام حقيقية، لافتاً إلى أن الإصرار على ملف نزع سلاح المقاومة يشكل إحدى أبرز العقبات التي تحول دون إحراز تقدم نحو التهدئة أو التسوية. وبينما رجّح فاروق أن تسهم الضغوط السياسية وجهود الوسطاء في دفع المفاوضات نحو نتائج إيجابية، يرى القاز أن المبادرات والضغوط الإقليمية والدولية المطروحة لم تنعكس حتى الآن على الواقع الميداني، مرجحاً أن تبقى حالة المراوحة السياسية هي السمة الغالبة خلال المرحلة المقبلة. وأكد أن غياب مؤشرات إيجابية من الجانبين الإسرائيلي والأميركي بشأن التوجه نحو السلام يجعل فرص تحقيق اختراق حقيقي في مفاوضات القاهرة محدودة، مشيراً إلى استمرار الأوضاع الإنسانية الصعبة في قطاع غزة في ظل الحصار وتواصل العمليات العسكرية ونقص الاحتياجات الأساسية. وخلص القاز إلى أن المشهد الراهن لا يوحي بقرب التوصل إلى تسوية شاملة، ما يجعل جولة القاهرة أقرب إلى تكرار مصير جولات سابقة انتهت دون نتائج حاسمة، ما لم تطرأ تحولات جوهرية على مواقف الأطراف المعنية. وبذلك تتقاطع القراءتان عند أهمية الجولة الحالية وحجم التحديات التي تواجهها، إلا أنهما تختلفان في تقدير فرص نجاحها؛ فبينما يرى فاروق أن الظروف السياسية وجهود الوسطاء قد تفتح نافذة نحو التقدم، يعتقد القاز أن المعطيات الميدانية والسياسية القائمة لا تزال تعيق تحقيق أي اختراق حقيقي

التعليقات : 0

إضافة تعليق